يكون حكمه في صالحه، ولذلك أبقى للقاضي الشافعي النظر في مال الأيتام، لأن الشافعي يوجب الزكاة على مالهم بخلاف المذهب الحنفي، مما يعود نفعه للسلطان وأولياء اليتيم (١).
ولم يكن الناس بحاجة إلى قضاة المذاهب الأخرى، لأن الكثرة الكاثرة منهم كانوا شافعية، وقلة منهم كانوا مالكية وحنفية، فكيف سيكسب الظاهر بيبرس تلك النخب الدينية والفئات الشعبية، وهو يعارض الشريحة الأكثر منها؟
وبرأيي أن الظاهر كان يسعى من وراء ذلك إلى التحرر من سلطة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، ولعلها السلطة الوحيدة القادرة أن تقف في وجهه، إذ يتيح له ذلك أن ينتقي من كل مذهب ما يوافقه من أحكام، وبذلك يتخلص من هيمنة مذهب واحد عليه.
ثم إن الفقهاء لم يكونوا على وئام فيما بينهم، وتعيين قضاة منهم سيزيد من خلافاتهم وخصوماتهم، ومن ثم تتبدد سلطتهم بما يحصل من تعصب كل فريق لمذهبه، وما يقع بينهم من فتن بسبب اختلاف الآراء والاجتهادات.
وقد أدرك ذلك بعض الفقهاء، ومن ثم عارض قراره بشدة فقهاء دمشق، وذلك حين أرسل إليهم في (٦) جمادى الأولى سنة (٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م) عهوده الثلاثة لثلاثة قضاة، هم: شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي، وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي، وشمس الدين الرحمن بن الشيخ أبي عمر المقدسي الحنبلي، فلم يقبل المالكي والحنبلي، واعتذرا بالعجز، وقبل الحنفي لأنه كان نائبا لقاضي الشافعية، فأرسل الظاهر كتابا من مصر بإلزامهما بذلك، وهددهما إن لم يقبلا بأخذ ما بأيديهما من الأوقاف، فلم يستجب له المالكي، وأشهد على نفسه بأنه عزل نفسه عن القضاء، وعن الأوقاف، ثم ورد الأمر بإلزامه،
(١) انظر كتاب «الأم» للإمام الشافعي: ٢/ ٢٨، و «فتح القدير» لابن الهمام: ١/ ٤٨٤، و «الفقه والفقهاء والدولة»: ص ١٥٢.