للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لا يضرني، ولا يعيبني، لأنها حقا كذلك، غير أنني تركت مال الوقف من بعد، واستغنيت عنه، وأنا ألوم فيمن ألوم ذلك العالم الذي قضى حياته يأكل من مال الوقف، وما زال مصرا على ذلك، ولم يفكر أبدا أن يتخذ حرفة يعيش منها، فهو عالة على الناس في معيشته.

أما أنا فقد صانني الله، فلم أزاحم أحدا على مناصبه، قانعا بما أنا فيه، والله أسأل أن يلهمني الصبر بقية عمري، وأن لا يحوجني إلى هؤلاء المستبدين بالوقف، المستولين عليه، المستعبدين الناس قهرا، فترى المحتاج إليهم بين أيديهم أسيرا ذليلا، وترى أقرب الناس إليهم ذلك المنافق المتملق.

ولا تظنن أن انتقاد هؤلاء بالأمر السهل، وهم أصحاب السلطان والجاه، فإن من يخالفهم محكوم عليه بالقتل، أما من يوافقهم فهو في الشر مثلهم سواء.

وأخيرا، ها قد بحت بما في نفسي، وانشرح صدري، فمن كان منصفا عرف الحق، لأن ما ذكرته أمر شائع، لا يخفى على أحد.

* * *

لقد كان أبو شامة يستشعر حقا خطورة ما يفكر فيه، فإن في نقده لهؤلاء المستولين على الأوقاف، المستبدين به من قضاة ونواب وولاة، وفضحه لهم، وهم أصحاب الجاه والسلطان، يعرض نفسه لنقمتهم، وقد قال:

من يخالف يقض ومن وافق القو … م يكن مثلهم فحسبك شرا

ولكي لا يكون في صمته مثلهم في الشر سواء، أمسك بقلمه، وبدأ ينظم هذه المعاني التي جالت طويلا بخاطره، فكانت قصيدته الفلاحة الرائية (١)، ولم يقف قلمه حتى بلغت أبياتها مئة وثمانية أبيات، وقد آثر أن تكون خاتمتها مفتوحة، ليزيد فيها ما يجد من أحداث، غير أن صارفا صرفه عنها، فلم يفعل، وليته فعل.


(١) انظر القصيدة في «المذيل»: ٢/ ١٨٢ - ١٨٧، وسماها كذلك ص ١٩٦ منه، وقد نثرت لك معانيها في هذا الفصل.

<<  <   >  >>