وها هو ذا القاضي الجديد يستغرق في نظم الشعر والدوبيت، وتقريب الشعراء في مجلسه، ويقضي لياليه وهو يتعاطى الحشيشة مع الشاب الجميل أبي الفوارس الذي يهتز بماء الشباب عجبا وسكرا، وقد ملك عليه قلبه، فهو يوليه المناصب، بينما يترك الأشياخ المستحقين لها يتضورون جوعا وفقرا، بل إن هذا الشاب هو العدل الرضا في مجلس قضائه، يشهده مع الأثبات العدول، فيعدل من يشاء، ويجرح من يشاء.
وقد التف حول هذا القاضي بنو علان وأولاد صصرى، وهم قوم سوء مغرضون، يزينون له زورا وبهتانا ما يخدم مصالحهم، والقاضي مصغ لأقوالهم، معتمد عليها.
أيها القاضي، هؤلاء ليسوا بناصحين لك، فاسأل سواهم تعرف الحق، ولست معذورا باعتمادك على أقوالهم، بل إنك بذلك ترتكب إثما عظيما.
هؤلاء المغرضون شوهوا مواقفي عندك، وقد كنت حربا على المفسدين، فما زلت متوقفا في أمري، لم تنصفني وقد أنصفت غيري، وقد صارحتك بما كان مني، وبثثت شكواي لك، وحالي لم يتغير، ولذا عدت إلى حرفتي؛ زراعة أرضي، لأن الحرفة أولى بأهل العلم والصلاح، ينأون بأنفسهم بها عن هذا الفساد العظيم.
* * *
حقا، لقد قضيت زمنا من عمري أعيش على مال الموقف، غير أنني كنت غني النفس، آنف من صدقات مدارس الفقه، وأشبهها بوقف الأسرى، ولم أكن أزاحم عليها، وكم تمنيت ألا يكون رزقي منها، وها قد بارك الله لي في الفلاحة، فله الحمد على ما أنعم، فأنا اليوم بين العلماء أشرحهم صدرا، وأطيبهم عيشا، ولذلك حسدني منهم من حسدني قائلا: من أين لأبي شامة هذا المال؟ وكيف اغتنى؟ ألا يعلمون ويحهم أن الله تعالى هو الرزاق؟ فالموعد القيامة، فيا لخجلة هذا المغتاب الجريء، إنه الآن لا يبالي بما يقول، ولكنه غدا سيجزى على ما يقول.
فيا أيها المغتاب، إذا قلت إن أصل ثروتي من مال الوقف، فإن ذلك