البلاد في معركة المنصورة، وقد حفظت مصر بسيوفهم، فهم أحق بالملك منه، حقا لقد آواه قطز لما تعذر عليه المقام بالشام، ولكنه كان سينضوي تحت راية كل من يقاتل التتار، صيانة لبلاد الإسلام، أما الآن، وقد هزم التتار، وكانت له اليد البيضاء في هذا الانتصار الكبير، فليعد الحق إلى نصابه، فمن أولى بالسلطنة منه (١)؟
كان السلطان قطز في مسيره قد شارف حدود مصر (٢)، وقد خرج من الغرابي وقارب الصالحية، ولربما تخلى عن حذره، وهو يشعر بقرب وصوله إلى مأمنه، فانحرف في مسيره عن الدرب للصيد، وقد كان مولعا به، ومعه الأمراء، فلما فرغ من صيده، وعاد يريد الدهليز السلطاني اعترضه الأمير ركن الدين بيبرس طالبا منه امرأة من سبي التتار، فأنعم بها عليه، فأخذ بيبرس يد السلطان ليقبلها، وكانت إشارة بينه وبين الأمراء الذين اتفق معهم على قتله، فبدره الأمير بدر الدين بكتوت بالسيف، وضرب به عاتقه، واختطفه الأمير أنس، وألقاه عن ظهر فرسه، وعاجله الأمير بهادر بسهم أتى عليه، فسقط قطز قتيلا، مضرجا بدمائه، وذلك يوم السبت (١٥) ذي القعدة سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) ولم يمض على سلطنته سوى أحد عشر شهرا، وسبعة عشر يوما، ودفن بالقصير (٣).
وسار الأمراء بعد قتله إلى الدهليز السلطاني بالصالحية، واتفقوا على سلطنة الأمير ركن الدين بيبرس، وتلقب بالملك القاهر (٤).
(١) «زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة»: ص ٥٣، «عقد الجمان»: ص ٢٥٢ - ٢٥٣. (٢) «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٦. (٣) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٥، و «أخبار الأيوبيين»: ص ١٧٦ - ١٧٧. وكان قبر قطز يزار، فلما تمكن الظاهر بيبرس بعث إلى قبره من هدمه، وغيبه عن الناس، فصار لا يعرف، انظر «عقد الجمان»: ص ٢٦٠. (٤) «السلوك»: ج ١/ ق ٢/ ٤٣٦، و «وفيات الأعيان»: ٤/ ١٥٥.