للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

القضاة والأشراف، والعلماء والأعيان، وربما يبلغ جمع الناس في بعض الأوقات نحو عشرة آلاف وزيادة، وهذه المجالس كانت من محاسن الدنيا ولذاتها، لما أوتيه سبط ابن الجوزي من حسن الصورة، وأناقة الملبس، وطيب الصوت، ولطف الإشارات، وذلك الذكاء الوقاد في الإيرادات والجوابات، فكان لا يفارق أحد مجلسه إلا وشوقه يغالبه للمجلس التالي، وكان حديث دمشق، فما إن ينصرف الناس منه إلى فرجهم وبساتينهم حتى ينقضي يومهم بالتذاكر فيما وقع فيه من المحاسن، وإنشاد الأشعار، ويتحدثون عمن أسلم فيه أو تاب، ويوردون ما كان فيه من سؤال وجواب (١).

بيد أن أكثر ما كان يملأ قلب الفتى، ويملك عليه فكره شيخ الشافعية في عصره فخر الدين ابن عساكر، وهو يراه، وقد أقبل الناس عليه، مترددين إليه، يستفتونه في حاجاتهم، وكان يراه عصر كل يوم اثنين وخميس وقد خرج من غرفته الصغيرة قرب مقصورة الصحابة حيث يجلس تحت قبة النسر - وهو المكان الذي كان يجلس فيه عمه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر - لسماع الحديث عليه، فكان الفتى أبو شامة يسارع إلى حلقته، يسمع عليه حديث المصطفى ، من كتاب «دلائل النبوة» للبيهقي، ويرى دموعه، وهي تتقاطر على خديه شوقا وحبا للنبي كلما ذكر، فكان لا يمل من النظر إليه، وقد انجذب لحسن سمته ولطفه ونور وجهه، حتى إذا ما فرغ الشيخ من مجلس السماع، رجع إلى غرفته الصغيرة يخلو فيها للعبادة، ومطالعة الكتب والفتاوى (٢)، فكان الفتى يستحسن طريقته، ويتمنى وقد خفق القلب بحبه أن يبلغ مرتبته في العلم ونشره له، وأن ينتفع الناس في المستقبل بفتاويه (٣).


(١) «المذيل»: ١/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) «المذيل»: ١/ ٣٦٢.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٣٨.

<<  <   >  >>