لم يعن أهلها وللكفر أعوا … ن عليهم يا ضيعة الإسلام
وانقضت دولة الخلافة فيها … صار مستعصم بغير اعتصام
رب سلم وصن وعاف بقايا الـ … مدن يا ذا الجلال والإكرام
فحنانا على الحجاز ومصر … وسلاما على بلاد الشام (١)
وأكاد أتخيل أبا شامة، وهو يردد في مناجاة حزينة: وسلاما على بلاد الشام، فهل ستكون بلاد الشام بنجوة من هذا الطوفان المدمر؟ وهل سيحل في ربوعها السلام كما يتمنى قلب أبي شامة المشفق الحزين؟
كان الناصر يوسف غارقا في بحر اطمئنانه إلى التتار، وكأنه لا يريد أن يبصر ما حوله، وقد قرب منه التتار هذا القرب وهم يحاصرون بغداد، وكأن الأمان الذي ناله منهم تعويذة تدفع شرورهم عنه، فما إن وصل إليه صاحب ميافارقين الكامل محمد بن غازي بن العادل يطلب منه نجدة ليمنع التتار من الدخول إلى الشام حتى استخف برأيه، ولم يصغ إلى كلامه، بل سوفه وماطله (٢).
وما كان يحاذر منه الكامل محمد قد وقع، فما إن عاد إلى ميافارقين، وقد سقطت بغداد، حتى أدركته عساكر التتار، وفي مقدمتها يشموت بن هولاكو، وأحاطت بمدينته، وفي يوم وليلة بنوا حول المدينة سورا عاليا، وحفروا خندقا عميقا، ثم نصبوا عليها المنجنيقات، وشرعوا في القتال، وتصدى لهم الكامل محمد، وقاتل مع عسكره قتالا شديدا، فلما رأى التتار أن المدينة حصينة، ولن يمكنهم أخذها بالقتال، ضربوا حولها الحصار، ومنعوا الناس من الدخول إليها والخروج منها (٣).
(١) «المذيل»: ٢/ ١١٥. (٢) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٧، وفيه الأشرف بدل الكامل، وهو وهم، «أخبار الأيوبيين»: ص ١٦٧. (٣) «مختصر تاريخ الدول»: ص ٢٧٧.