ولعله أرضي في تلك الفترة بتوليته مشيخة الإقراء بالتربة الأشرفية (١).
* * *
وربما في نحو هذه الفترة جرت لأبي شامة محنة، كانت ترمي للنيل من سمعته ونزاهته، لم يطاوعه قلمه على كتمانها، وهو الكتوم، فندت عنه بإشارة عابرة، وهو يترجم لفقيه شافعي ضرير، كان يدرس بالمدرسة الأمينية، وكان يسكن في أحد بيوت منارة جامع دمشق الغربية، وهو تقي الدين عيسى بن يوسف بن أحمد الغرافي.
فقد ابتلي الغرافي بسرقة مال له من بيته، فاتهم به شخصا كان يقرأ عليه ويلازمه، ويقضي حوائجه، ويقوده من المدرسة إلى البيت، ومن البيت إلى المدرسة، فأنكر الشخص المتهم ذلك، وتعصبت له أقوام عند والي البلد، فوقع الناس في عرض الغرافي من اتهامه من ليس من أهل التهم، ومن كونه جمع ذلك المال وهو وحيد غريب، ونسبه الناس إلى أنه غير صادق فيما ادعاه، فزاد الهم على الغرافي من ضياع ماله، والوقوع في عرضه، ولم يقو على احتمال ما ألم به، فآثر الموت على الحياة، ففي يوم الجمعة سابع ذي القعدة سنة (٦٠٢ هـ/ ١٢٠٦ م) وجد الغرافي مشنوقا بالمئذنة الغربية (٢).
وبعد أن يسوق أبو شامة هذه القصة في تاريخه مبديا تعاطفه مع الغرافي، يقول:«وجرى لي أخت هذه القضية، وعصمني الله سبحانه بفضله»(٣).
فمن اختلس مال أبي شامة؟ ومن الشخص الذي اتهمه أبو شامة؟ وهل راودت أبا شامة فكرة الانتحار؟ أسئلة لا يسعفنا أبو شامة بالإجابة عنها.
(١) أشار أبو شامة إلى توليته مشيخة الإقراء في التربة الأشرفية، غير أنه لم يعين تاريخها، انظر «المذيل»: ١/ ١٤٩، ٢/ ٢٢١. (٢) «المذيل»: ١/ ١٧٤. (٣) المصدر السالف.