علم الدين اللورقي جوابيهما، ويعجب ببحث أبي شامة، فيقول فيه: هذا إمام من أئمة المسلمين، ويقول في أبي الفتح: هذا مقرئ (١).
ويتعلق القاضي صدر الدين بظاهر كلام اللورقي، فاهما منه ما يريد أن يفهمه، فيقول: ما المقصود في وقفها إلا المقرئ. ويوليها أبا الفتح.
ويتميز أبو شامة من الغيظ، وهو يرى إبعاده عن مشيختها بهذه الخديعة المكشوفة، فيخرج من مكان الاجتماع، وهو ينفخ غاضبا، ملتفتا إلى الشيخ علم الدين اللورقي بانزعاج، قائلا بأسى: يا شيخ ذبحتني. ويشعر الشيخ علم الدين أنه قد خدع هو الآخر، فيعتذر لأبي شامة بصوت متهدج، قائلا: والله ما قصدت لك إلا خيرا، وما علمت أنهم إلى هذا الحد من الجهل في فهم كلامي (٢).
ولن يغفر أبو شامة لعلم الدين اللورقي موقفه هذا، فيكتب من بعد في ترجمته له:«كان معمرا، مشتغلا بأنواع من العلوم، على خلل في ذهنه»(٣).
ويكتم أبو شامة ما جرى له، فلا يشير إليه في تاريخه، بيد أنه يبوح به بعض البوح في قصيدته الفلاحة الرائية، عانيا نفسه:
ثبت الله بعضهم بغنى النفـ … س فلم يكترث وقد عاش دهرا (٤)
ولعله تعزى نحوا من العزاء، وهو يتذكر موقفا مشابها لشيخه فخر الدين ابن عساكر، حين أبعد عن مشيخة العادلية، وهو أحق الناس بها، فكتب يقول:«فسبحان من جعل فيه أفضل أسوة وعمدة، لمن ظلم من المشايخ والفضلاء بعده»(٥).
(١) «غاية النهاية»: ٢/ ٢١١. (٢) المصدر السالف. (٣) «المذيل»: ٢/ ١٨٨، ويرد عليه الذهبي في «معرفة القراء الكبار»: ٣/ ١٣١٠ - ١٣١٢ بقوله: كذا قال أبو شامة، بل كان من أذكياء النحاة والمتكلمين، رحمة الله تعالى عليه. (٤) «المذيل»: ٢/ ١٨٥. (٥) «المذيل»: ١/ ٣٦٦.