للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أيسر مظاهر السلوك التي تليق بقاضي المسلمين، فصار يقعد في مجلس الحكم وهو سكران، ويخرج إلى صلاة الجمعة مخمورا، وغدت داره مثل الحانات (١)، وبسلامة نية اعتقد شمس الدين محمد بن سعد؛ كاتب الصالح إسماعيل أن لا علاقة للسلطان بذلك، فكتب إليه مشفقا وناصحا:

يا مالكا لم أجد لي من نصيحته … بدا وفيها دمي أخشاه منسفكا

اسمع نصيحة من أوليته نعما … يخاف كفرانها إن كف أو تركا

والله ما امتد ملك مد مالكه … على رعيته من ظلمه شبكا

وزره ابن غزال والرفيع به … قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا

جماعة بهم الآفات قد نشرت … والشرع قد مات والإسلام قد هلكا

ما راقبوا الله في سر وفي علن … وإنما يرقبون النجم والفلكا

والآن قد حكموا واستوثقوا حلفا … وصيروك لهم في صيدهم شركا

إن كان خيرا ورزقا واسعا فلهم … أو كان شرا وأمرا سيئا فلكا

وقد نصحت فقم واقبل نصيحة من … ما كان في قوله خرقا ولا أفكا

واستدرك الأمر واستر ما جنوه بهم … تلف الرشاد وإن أصررت منهمكا

فعن قريب ترى آثار فعلتهم … فيهم وفيك إذا ما سترهم هتكا (٢)

وما لم يكن يدريه ابن سعد الكاتب أن رفيع الدين كان يدل على الصالح إسماعيل بما يحمله إلى خزائنه من أموال الرعية، بل بلغ به إدلاله أن تشوفت نفسه إلى منصب الوزارة، فراح يسعى في إفساد العلاقة ما بين الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة، ليحل محله، فلما أحس أمين الدولة بدبيب السعاية، كاشف الصالح إسماعيل بها، طالبا إليه التخلص منه، قائلا له: هذا الرفيع قد أكل


(١) «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٤٢ هـ) بتحقيقي، وانظر «المذيل»: ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) «مرآة الزمان» (وفيات سنة ٦٥٠ هـ)، والوافي بالوفيات»: ٣/ ٩١ - ٩٢.

<<  <   >  >>