الآية [١]. فهذه [٢] الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه به ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ[أن يدعوهم][٣] إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر [٤] من النصارى إذ خالفوه في عيسى [ابن مريم][٥]﵇ وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإنّ ذلك غير ضارّ بكم إن كنتم محقين، فيما تدعون من الإيمان، وقرب النزلة من الله، بل أعطكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم [٦]؛ فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها [٧] أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى [الذين جادلوا النبي، ﷺ، في عيسى -إذ دعوا للمباهلة- من المباهلة][٨].
فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره ففيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه [٩] لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون [١٠] في دعواهم أن يتمنوا الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يودّ أن يعمر ليزداد [١١] خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء [في الحديث][١٢]: "خيركم من طال عمره، وحسن عمله"(٥٤٤).
(٥٤٤) - جاء من حديث عبد الله بن بسر، وأبي بكرة، وأبي هريرة وجابر ﵃، فأما حديث عبد الله بن بسر، فرواه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم (٢٣٢٩) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وأما حديث أبي بكرة، فرواه الترمذي في باب: شر الناس من طال عمره وساء عمله برقم (٢٣٣٠) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند ٧٢١١ - (٢/ ٢٣٥). وحديث جابر رواه عبد بن حميد (١٠٨٦).