وقال قتادة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾، والله، لو أن هذا القرآن رفع حين ردَّته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته [١] ورحمته، وكرره [٢] عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك.
وقول قتادة لطيف المعنى جدًّا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر الحكيم - وهو القرآن - وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر [٣] به ليهتدي [٤] من قدَّر هدايته، وتقوم الحجة على من كَتَب شقاوته.
ثم قال تعالى مسليًّا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه، وآمرًا له بالصبر عليهم، ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في شيع الأولين، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبونه ويسخرون به.
وقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشًا][٥]، من هؤلاء المكذبين لك يا محمد؛ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ والآيات في ذلك كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم. أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ وكقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.