خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم [القدير العليم][١] الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى - كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.
وقال ابن لَهِيعَةَ، عن ابن [٢] أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: العالم بالرحمن من لم يشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي [٣] التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿. وقال الحسن البصري: الإيمان مَنْ خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك؛ قال: إن [العلم ليس][٤] بكثرة الرواية، و [٥] إنما العلم نور يجعله الله في القلب.
قال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض [٦] الله ﷿ أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين - فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله:(نور) يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.
وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن رجل؛ قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله. وعالم بالله، ليس بعالم بأمر الله. وعالم بأمر الله، ليس بعالم [٧] بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم [٨] بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله ﷿.