يخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ [١] هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: هو المتفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾، أي: يوم القيامة، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾، أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تُساعَدَ على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، أي: ولو كان قريبًا إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله.
قال عكرمة في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا: لم كان يغلق بابه دوني؟ وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يدًا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم. فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه ﷿ حتى يرده إلى [منزل دون][٢] منزله، وهو في النار. وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثنى خيرًا، فيقول له: يا بني؛ إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى. فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت! ولكنني أتخوف مثل ما تتخوَّف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة -أو: يا هذه- أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرًا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تَهَبينَها [٣] لي، لعلي أنجو بها مما
[١]- سقط من: ز. [٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [٣]- في ز: "تهبيها".