يقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله [١]، أي: أخلص له العمل، وانقاد لأوامره [٢]، واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: في عمله، باتباع ما به [٣] أمر، وترك ما عنه زجر، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا، أنه لا يعذبه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾، أي: لا تحزن يا محمد عليهم في كفرهم بالله وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، إلى الله ﴿مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: فيجزيهم عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية.
ثم قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، أي: في الدنيا، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾، أي نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، أي: فظيع صعب شاقٍ [٤] على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾
يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به: إنهم يعرفون أن الله خالقُ السماوات والأرض، وحدَه لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء [٥]، يعترفون أنها خَلْقٌ له وملك له، ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، [أي: إذْ قامت عليكم الحجة باعترافكم][٦]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
ثم قال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: هو خلقه وملكه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها.