يقول تعالى منبهًا لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة اللَّه تعالى، وعبادته وحد [١]، ولو صبروا في مدة الدنيا الفصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ أي: الحاسبين ﴿قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيّئ، [ولا استحققتم][٢] من اللَّه سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعته وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه يخطب الناس، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ: "إن اللَّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار، كم بكم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين":
وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد، ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا؟! [وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا، كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة، وإقامة أوامر اللَّه ﷿][٣] ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ يعني هملا [٤].
وقوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئًا عبثًا، فإنه الملك الحق،
[١]- سقط من: ز، خ. [٢]- في ز: إن استحقيتم. [٣]- سقط من: ز، خ. [٤]- في ز، خ: "مهملا".