للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: كدوران [عيني] الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارًا] [١].

[وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، كما قال الشاعر:

وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] [٢] ((١٤٩)

قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد [٣] إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهب عنهم ما [٤] ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.

(ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه)

قال السدّي في تفسيره (١٥٠) عن أبي مالك و [٥] عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني [٦] عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبي الله المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان [٧] مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما أضاءت [] [٨] ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه [٩]، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي


(١٤٩) - البيت للأشهب بن رميلة، كما في اللسان، مادة "فلج".
(١٥٠) - رواه ابن جرير (٣٨٨)، وابن أبي حاتم (١٦٢).