فصول الكتاب

قال محمد بن إسحاق (١٦٨): حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبي رافع القرظي؛ حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال: فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة [غير الله] [١]، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، أو كما قال ﷺ فأنزل الله [﷿] في ذلك من قولهما: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الآية [٢] إلى قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، فإذا [٣] كان هذا لا يصلح لنبي، ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذالك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا -يعني أهل الكتاب- كانوا [يتعبدون لأحبارهم] [٤] ورهبانهم، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [٥]﴾.

وفي المسند والترمذي، كما سيأتي (١٦٩)، أن عدي بن حاتم؛ قال: يا رسول الله؟ ما عبدوهم. قال: "بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم".

فالجهلة من الأحبار والرهبان، ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، [فإنهم إنما] [٦] يأمرون بما أمر [٧] الله به [٨]، وبلغتهم إياه


(١٦٨) - " السيرة لابن هشام" (٢/ ٣٩٥)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٦/ ٥٣٩) رقم (١/ ٢٩٦، ٧٢٩٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠) رقم (٨٧٥). والبيهقي في "دلائل النبوة" (٥/ ٣٨٤)، من طريق محمد بن إسحاق بهذا الإسناد.
(١٦٩) - سيأتي تخريجه - في سورة الأنعام آية (١٢١).
_________
[١]- في خ، ز: "غيره".
[٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.
[٣]- في ز: "وإذا".
[٤]- في ت: "يعبدون أحبارهم".
[٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من خ، ز: وفي م: الآية.
[٦]- في خ، ز: "فإنما".
[٧]- في ت: "يأمر".
[٨]- سقط من: خ، ز.