وقوله:{الْفُرْقَانَ} ، يعني به: القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين المسلم والكافر، وبين البر والفاجر، وبين الضار والنافع، وغير ذلك مما فيه الفرقان، فكله فرقان.
{عَلَى عَبْدِهِ} : محمد عليه الصلاة والسلام، فوصفه بالعبودية في مقام التحدث عن تنزل القرآن عليه، وهذا المقام من أشرف مقامات النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ولهذا وصفه الله تعالى بالعبودية في مقام تنزل القرآن عليه، كما هنا، وكما في قوله:{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ}[الكهف: ١] ، ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه والتحدي:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}[البقرة: ٢٣] ، ووصفه بالعبودية في مقام تكريمه بالمعراج، فقال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}[الإسراء:١] ، وقال في سورة النجم:{فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم: ١٠] ، مما يدل على أن وصف الإنسان بالعبودية لله يعد كمالا؛ لأن العبودية لله هي حقيقة الحرية، فمن لم يتعبد له، كان عابدا لغيره.
قال ابن القيم رحم الله:
هربوا من الرق الذي خلقوا له ... وبلوا برق النفس والشيطان
و" الرق الذي خلقوا له ": عبادة الله عز وجل.
و" بلوا برق النفس والشيطان ": حيث صاروا أرقاء لنفوسهم، وأرقاء للشيطان، فما من إنسان يفر من عبودية الله، إلا وقع في عبودية هواه وشيطانه، قال الله تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}[الجاثية: ٢٣] .