للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقد رأيت منك ما غَمَّني، قال: ويحك يا أبرش، وكيف لا أغْتَم وقد زعم أهلي اني ميت إلى ثلاثة وثلاثين يومًا. قال الأبرش: فلما انصرفت الى منزلي كتبت: زعم أمير المؤمنين أنه يسافر يوم كذا، فلما كانت ليلة اليوم الذي كمل الثلاثة والثلاثين أتاني رسول هشام فقال: أجِبْ واحمل معك دواء الذبحة، وقد كانت الذبحة عَرَضَتْ له مَرَّة فتداوى بذلك الدواء، فانتفع به، قال: فأتيته ومعي الدواء، فتغرغر به فازداد الوجَعُ شدّةً، ثم سكَنَ، فقال: قد سَكَنَ بعض السكون، فانصرف إلى أهلك، وخلّف الدواء عندي، فما استقررت في منزلي حتى سمعت الصراخ، فقالوا: مات أمير المؤمنين، فلما مات أغلق الخزان الأبواب، فطلبوا قمقمًا يسخن فيه ماء لِغَسْلِهِ فما وجدوه، حتى استعاروا قمقمًا، وكان الوليد (١) شخص عن الرصافة لكثرة عبث هشام به، وخلّف عياض بن مسلم، مولى عبد الملك بن مروان، وهو كاتبه بالرصافة، وأمره أن يكتب إليه الأخبار، فَعَتَب عليه هشام، فضربه وحبسه، وأفاق هشام إفاقة فطلب شيئًا فمنعه، فقال: أرانا إنما كنا خزانًا للوليد، ثم مات من ساعته، فخرج عياض من الحبس، وختم أبواب الخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه وحازها، فما وُجِدَ له كَفَنُ، حتى كفَّنَهُ غالب مولى هشام، فتبًا لدنيا متاعها قليل وعزيزها ذليل، بينما المرء خليفة، فإذا به جيفة.

ومن كلام هشام (٢): اثنان يتعجلان النصب، ولعلهما ان يظفرا بالبغية: الحريص في حرصه، ومعلم البليد ما لا يبلغه فهمه.

[١٣] دولة الوليد (٣) بن يزيد بن عبد الملك

الجبار العنيد لقبًا ما عداه، ولقمًا سلكه فما هداه، حقيقةً تَمَهَّجَها، وطريقةً تهجمها فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعايب، يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار، ويرديهم العار، فبئس الورد المورود، والبرد المودي في ذلك اليوم المشهود، رَشَقَ المصحف بالسهام (٤)، وفَسَقَ ولم يخف.


(١) الوليد بن يزيد بن عبد الملك.
(٢) انساب الاشراف ٧/ ٣٢٧.
(٣) الوليد بن يزيد بن عبد الملك، من فتيان بني أمية وظرفائهم وأجوادهم وشعرائهم اتهم بالالحاد واشتهر به، ولي الخلافة بعد موت هشام سنة ١٢٥ هـ، فمكث سنة وبضعة أشهر فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، فأرسل إليه جمعا وهو بالبخراء، فقتله، وحمل رأسه إلى دمشق.
وأخباره في الاغاني ٧/ ١ وتاريخ الطبري ٧/ ٢٠٩ ومروج الذهب ٢/ ١٦٧ وانساب الاشراف ٧/ ٤٧٤.
(٤) يشير الى ما ذكر أنه قرأ يومًا ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاء =

<<  <  ج: ص:  >  >>