للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن صبرت فلم الفظك من بَزَعٍ … وان جَزِعتُ فعلقٌ مُنْفَس ذهبا

[١٠] دولة [عمر بن (١) عبد العزيز بن مروان، أبي حفص

ناهيك بفذ لا يُقرن بتوأم، وَمَلك كانت أيامه كالمنام ورعاياه نُوَّم، تقابل في منابت أبيه وأمه، وتماثل بمناصب خالِهِ وعمّه، تكنفه من قبل الأبوة النسب الأموي، ومن قبل الأمومة الحسب العدوي، فطابت نبعته، وطافت الأرض بأغضر الأنفاس سمعته، وأخذ نفسه بسلوك سيرة جده لأمه عمر بن الخطاب ، فقارب فعل سميه وقارن منهم ذلك الولي بوسميه (٢)، وجَدَّ فما قصّر، وَوَجَدَ محاسن ما تبصر، وقد كان من آثق بني أبيه تمتعًا، حتى شمر، وانف إخوانه تمنعا حتى تأمر، فلما ولي ولى بتلك الزخارف ولوى ورقات تلك المطارف، وسَأَلَ عن مذاهب الراشدين، ثم ما تعدّاها، وتَجَلْبَب تلك الخلائق الظاهرة وَتَرَدّاها، وأوّل ما بدأ به أمْرُهُ أَنْ أَبْدَلَ سبَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (٣) وأبدل تلك السيئة بهذه الحسنة الباقية الإحسان (٤)، وأزال تلك السبة ومحاها، وأزاح ليلها الدامي بارتفاع ضحاها، فَخَلَصت الذمم من إرهاقها، واستراحت المنابر مما كانت تحمله من إثم هذه الخطبة في أعناقها، وقنع بالقليل من القوت طلبًا لحلّه وسببًا لتخفيف حمله، وهَجَرَ النساء منذ ولي، وقال لزوجته: إن رضيت بهذا وإلا فاعتزلي، ثم أَمَرَها أن ترد إلى بيت المال ما كان أبوها عبد الملك نَحَلَها، وألزم بمثل هذا سائر بني أمية، واستعاد نقلها، وقال: هذه فواضل أموال لبيت المال لا يجوز أن تحتجز، ولا أن تؤخذ بأيديكم عبثًا وتكتنز، ولقد أعطاكموها أئمة جورٍ، أعْطَت ما لم تملك، وأعدت بالهلاك بها ما لم يهلك، وأخْلَصَ الله كل عملِهِ، وخلّى جُلَّ أمَلِهِ، وكان يُبرد البريد إلى المدينة لابلاغ سلامه لساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام، لا يشغل له غيره خاصة ولا لعامة الاسلام، ودام حميدًا حتى توفى وما بلغ الأربعين، وأنشد باب الخير فلا لَهُ فاعل


(١) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو حفص الاموي، الخليفة الصالح، أخباره كثيرة في كتب التاريخ والادب، ولا أرى حاجة إلى ذكرها.
(٢) الولي: المطر يسقط بعد المطر، والوسمي: مطر الربيع الأول.
(٣) النحل: ٩٠.
(٤) كذا في الاصل، والصواب أن يقول: وأبدل بالسيئة الحسنة، لان الباء تكون مع المتروك.

<<  <  ج: ص:  >  >>