الملك بن مروان، ستذكر عند انتهائها في ذلك الأوان، ثم لما انقضت دولة بني حرب وفرغت منها الأيام، ونزعت في صدور الزمان شياطين أنصارها اللثام، أعقبتها الدولة المروانية، تنزّوا قردتهم على المنابر، ويعلوا صغارهم مكان الأكابر، إلا فرد رجل واحد، غَلَبَتْ عليه شيمة خاله لا عمّه، وما مال الى جده لأبيه إلا لأمه (١).
وأولها:
[[٥] دولة مروان بن الحكم]
ابن ابي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ابو عبد الملك، كان أبوه الحكم طريد رسول الله ﷺ، الى أن تلقى عثمان الأمر وتسلّم، وهو أحد ما انتقد على عثمان وحقد على ابن أبي سفيان، كان معاوية يعاقب بينه وبين سعيد بن العاص (٢)، ويراقب منه سطوة الأسد على القناص، خوفًا من توثيه، وخوضًا في حديث كان يخشى بسببه، فكان يُداريه ويَدْرًا حدّه بشبهة أنّه يوليه، ولم يزل مُذ كان، عيبه عناد، وغيبه ما توارى في زباد، ويقدح كل سرّ، ويجدح حماه كل ضر، ويقسو في موضع اللين، ويعتو في متبع الدين، إلا انه كان من رجال قريش حزمًا لا يغلط، وعزمًا لا يغمط، ملقح حرب حيال، وملحق ترح بحي حلال، يلف آخر الخيل بأولها، ويدير مدبرها على مقبلها، تعرّض للحرب حتى صلي بها، وبلى لما بلى عجم عيدانها بصليبها، أخرجه عمّال ابن الزبير على المدينة في بني أمية، وأحوجه الاستعجال على الخروج على عمية، فخرج أجرأ من ابن سمية (٣)، وأجرى من عمرو بن أمية (٤)، قال منتهكا، وآب ملكًا، ما برح يسول له القيام، ويناجي بها
(١) يريد به عمر بن عبد العزيز بن مروان، وامه ام عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. (٢) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أدرك النبي ﷺ ولم يدخل مع معاوية في حروبه، الا أنه ولاه المدينة غير مرة، وكان عاقلًا كريمًا وقورًا توفي سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين بالمدينة ودفن بالبقيع. انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ١٩ والوافي بالوفيات ١٥/ ٢٢٧. (٣) ابن سمية هو عبيد الله بن زياد ابن ابيه، كان بالبصرة حين مات يزيد، فوثب عليه أهل البصرة، فخرج الى الشام، انظر التفاصيل في أنساب الاشراف ٤/ ٤٤٠ وتاريخ الطبري ٥/ ٥٠٤. (٤) عمرو بن امية بن خويلد بن عبد الله بن إياس الضمري، شهد بدرًا واحدًا مع المشركين ثم أسلم بعد أحد، وكان رجلًا شجاعًا مقدامًا، وكانت أول مشاهده بئر معونة اسرته بنو عامر ثم أطلق فقدم المدينة، مات بالمدينة أيام معاوية بن أبي سفيان، طبقات ابن سعد ج ٤ ق ١ ص ١٨٢ والاصابة ترجمة ٥٧٦٥.