وقال كاتبه اسماعيل بن أبي حكيم: ما كتبت له قط في أكثر من شبر حتى خرج من الدنيا (١).
و دخل (٢) عليه مسلمة بن عبد الملك في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي بمعروف يا أمير المؤمنين؟ قال: بِمَ أوصي، والله ليس لي مال؟ قال مسلمة: هذه مائة ألف فَمُر فيها بما أحْبَبْتَ، فقال: أَوَ تَفْعَل؟ قال: نعم، قال: تردّ على مَنْ أُخِذتْ مِنْهُ ظلمًا، فبكى مسلمة وقال: رحمك الله، لقد ألِنْتَ لنا قلوبًا قاسية، وأبقيت منا في الصالحين ذكرًا.
[[١١] دولة يزيد بن عبد الملك بن مروان، أبي خالد]
عريق في العظام البالية، حقيق بالملك، أبواه مروان ومعاوية (٣)، بايعه بالعهد أخوه سليمان، وقد كان هم بهذا أبوه عبد الملك بن مروان، وقال سليمان إذ عهد إليه بعد عمر بن عبد العزيز: لولا إني أخاف اختلاف بني مروان ووقوع الفتنة ما وليت يزيد ولاقتصرت على عمر بن عبد العزيز.
وقال عمر حين احتضر (٤): لو اخترت للأمة غير يزيد كان ذلك أولى، ولكني أخاف أن أخرجتها من بني عبد الملك أن تقع فتنة وفرقة، وأنا أولي سليمان ما تولى، والمسلمون أولى بالنظر في أمرهم.
وهو أول من غالى بالقيان، وعالى في تشييد هذا البنيان، وما منع هواه عن قينة، ولا قطع في غير مناه آونةً ولا فينة، وانعكف على اللهو والطرب والزهو بخرائد العرب، ولبث مدة ملكه بين النساء يجرّ ذيول الغانيات، ويُسَرّبهن بائنات ودانيات، عشق سلامة (٥) وحبابة (٦) وطفق على المدامة والصبابة، فظل يرتشف ثغر قدح أو
(١) انساب الاشراف ٧/ ٨٢ (٢) انساب الاشراف ٧/ ٣٠٥ باختلاف يسير. (٣) امه عاتكة بنت يزيد بن معاوية (مروج الذهب ٢/ ١٥٣). (٤) انساب الاشراف ٧/ ١٨٦. (٥) سلامة: وتعرف بسلامة القس، نسبة الى عبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي، وكان من قراء مكة، سمي القس لعبادته، شغف بها فنسبت إليه، وكانت سلامة من المغنيات الظريفات، من مولدات المدينة نشأت بها، سمع بها يزيد بن عبد الملك فاشتراها ونقلها الى دمشق، وبقيت عنده الى أن مات، وماتت هي سنة ١٣٠ هـ، انظر: الاغاني ٨/ ٣٣٤ وانساب الاشراف ٧/ ١٩٧. (٦) حبابة، مغنية جميلة، أخذت الغناء عن سريج وابن محرز وطبقتهما، وروت الشعر، وتعلمت العربية، =