للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سفيان، وإن يكن شرًا فما أولاهم بتركه، والله ما أحب أن أذهب إلى الآخرة وأدع لهم الدنيا، ألا فليصل بكم حسان بن مالك، وتشاوروا في أمركم، عَزَمَ الله لكم الرشد والخيرة في قضائه، ثم نزل، فأغلق بابه وتمارض فلم ينظر في شيء، ولم يعزل معاوية أحدًا من عمال أبيه، ولا حرّك شيئًا ولا أمر ولا نهى، وكان حسان يصلي بالناس وهم منكرون لأمرهم حتى مات، ولما (١) مرض قيل له: لو بايعت لأخيك خالد بن يزيد، فإنّه أخوك لأبيك وأمك، فقال: يا سبحان الله كفيتها في حياتي، وأتقلّدها بعد موتي يا حسان بن مالك، اضبط ما قبلك، وصل بالناس الى أن يرضى المسلمون بامام يجتمعون عليه، وأخلعوني فأنتم في حلّ من بيعتي، فقالت له أُمُّهُ أم هاشم: لوددت يا بني إنك كنت نسيًا منسيا، قال: وددت والله إني كنت نسيًا منسيًا ولم أسمع بذكر جهنم، ثم دخل عليه مروان بن الحكم وكان قد قدم من دمشق، فقال له: لقد أعطيت من نفسك ما يعطي الذليل المهين، ثم رفع صوته، فقال: من أراد أن ينظر في خلافة آل حرب (٢) بن أمية فلينظر الى هذا، فقال له معاوية: يا ابن الزرقاء، أخرج عنّي لا قَبِل الله لك عذرًا يوم القيامة.

ويقال: انه لما مات قام مروان على قبره وقال: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد قال: بل دفنتم أبا ليلى، فعرف فيما بعد بها.

ثم كانت لبني أسد بن عبد العزى دولة قام بها:

[[٤] عبد الله بن الزبير ]

وكانت دولة صلاح، ومدّة فلاح، وزمان ملك شحاح غير كريم زنده شماح، وعهده ما فيه سوى صوب دَم سحاح، وهو أول مولود ولد في الاسلام بالمدينة للمهاجرة، وضجت بالتكبير لمولدِهِ أرجاء تلك الحاضرة، وقد كانت يهود زعَمَتْ أنه لا يولد لهم ولا ينتج طير طيبة نسْلُهُم (٣)، وكان زعيم يوم الجمل، وكان هو الذي يصلّي عن أم المؤمنين عائشة في مدة تلك الوقيعة الدائرة بمحنها، والنوبة التي أَشابَتْ نواصي الليالي أيام، فتنها، ثم كانت مقدمة لبلية صفين، وشفاء صدور قوم وما شفين، ودامت مدّته، ثم لم تُزَل إلا على يد الحجاج زمان عبد


(١) انساب الاشراف ٤/ ٣٩٨، وما قبلها وما يليها عن الانساب بترتيب مختلف.
(٢) في الأصل: في خالقه الى حرب بن أمية، والتصويب عن الانساب.
(٣) كذا في الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>