سريره ولم يشهد، ولقد قالت له أُمُّهُ: يا بني اعهد، فبالغ في ردها، وقال ما كنت لأذهب بحرها ويذهب بنو حرب ببرْدِها، فأبى أن يتطوّق بها لا حيًا ولا ميتا، أو يتعلّق بها لا منجزًا ولا موقتًا، وبموته انقضت دولة بني حرب، ونقضت حبالها في كل شرق وغرب، ثم لم تَقُم لهم قائمة إلا مَنْ نَجَمَ وما طلع، وتحامل فأَعْجَزَهُ الظلع، إلا ما وضَعَه خالد بن يزيد (١) ان ستكون لهم دولة يقوم بها قائم يسمى السفياني، أراد بهم أن لا تنقطع منهم الأماني، ولقد خرج منهم بأطراف الشام من تسمى بهذا (٢)، ثم ما طار حتى وقع، ولا أسْفَرَ محياه حتى امْتَقَعْ، ولا أشرف رأسه حتى خضع، ولا أشرف حتى بطل ما خلّد خالد وما وضع.
ذكر البلاذري (٣): إن أباه يزيد بن معاوية كان قد مرض بعد ولايته بسنتين من كبده، فلما برء واستقل، أتاه ابنُهُ معاوية وأُمُّهُ أم هاشم (٤) بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس عنده، وكانت امرأةً بَرْزَةً عاقلةً، فقالت له: لو عهدت إلى معاوية، فقال: هكذا أفعل، ثم قال لحسان بن مالك بن بحدل (٥): إني أريد البيعة لمعاوية بن يزيد فقال: افعل، فدعاه يزيد فصافقه بولاية العهد، وبايع له حسان بن مالك والناس وهو كاره، وكان معاوية بن يزيد فتى صالحًا متألها، كثير الفكر في أمر معادِهِ، لا يكاد يلتفت الى أمر الدنيا، ولا يبالي كيف تقضت به، وإنما كنى أبا ليلى للينه وهي كنية كل ضعيف، ثم جدد يزيد له البيعة حين احتضر، فلما مات بايعه الناس، وأتَتْهُ بيعة الآفاق إلا ما كان (من)(٦) ابن الزبير، ولما أفضى الأمر إليه قام خطيبًا، فقال (٧): أيها الناس، إن يكن هذا الأمر خيرًا فقد استكثر منه آل أبي
(١) خالد بن يزيد بن معاوية أبو هاشم، كان شاعرًا له نظر في الكيمياء والنجوم وغيرها، تزوج مروان أمه ليغض من شأنه، ثم عيره بها، قيل أنها غمته فقتلته، ومات خالد أيام عبد الملك، انظر: انساب الاشراف ٤/ ٣٩٩ والوافي بالوفيات ١٣/ ٢٧٠. (٢) تسمى بهذا أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية، خرج بأهل قنسرين سنة ١٣٢ هـ فقاتله عبد الصمد بن علي، وهزمه فهرب الى الحجاز ولم يزل متغيبًا حتى عرف مكانه فقتل أيام ابي جعفر المنصور انظر: تاريخ الطبري/ ٧/ ٤٤٤ كما تسمى بالسفياني علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية ابو العميطر، واستولى على دمشق سنة ١٩٥ هـ، انظر كامل ابن الأثير ٥/ ١٤٧. (٣) أنساب الاشراف ٤/ ٣٩٧. (٤) كذا في الأصل، وهي كما في الانساب ام هاشم بنت ابي هاشم بن عتبة. (٥) حسان بن مالك بن بحدل وهو الذي قام بالبيعة لمروان، أخباره في تاريخ الطبري (انظر القوس) والوافي بالوفيات ١١/ ٣٥٩. (٦) زيادة يقتضيها السياق. (٧) نقلًا عن انساب الاشراف ٤/ ٣٩٨.