صخر بن حرب بن أمية الأصغر بن عبد شمس بن عبد مناف، وزعم قوم أنهم لهم ألقابًا مثل ألقاب بني العباس يجري إلقاؤها بينهم على القياس، وهذا لمن كان منهم بدمشق، ولا يدعي في هذا قول حق، فأما مَنْ كان منهم بالأندلس فإنهم تعرفوا بعواري أعلامها وتشرّفوا بطوارق أحلامها، ونحن لا نذكر معهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إذ لم يكن لذكره هنا معنى، ولا مع الخلفاء الراشدين مجنى، وإنما تذكر دولة بني حرب ومروان من لدن معاوية إلى آخر أوان،
كان معاوية صاحب رسول الله ﷺ، وكاتب الوحي منذ أسلم، ثم كانت له منزلة قريبة وصلة بأم حبيبة (١)، أسْلَمَ يوم فتح مكة، وفتّ في مهاب الكفر شركة، وكان يقول أنه أسلم من قبل، وإنما كان يكتم إسلامه، ويُظهر لأبيه مطاوعته واستسلامه، وإنما هي دعوى الله أعلم بغيبها، وأحكم بما فيها جلاء ريبها، وإنما إجماع المحدثين والقديمين والمحدثين على أنه هو وأبوه وأخوه وذووه من مسلمة الفتح قولًا ثبتًا، وقطعًا بتًا، طلقاء الفتح، وعُتقاء الصفح، أَخَذَ العباس ﵁ لأبيه أبي سفيان الأمان، وكرَّمه بأمور منها أنه كلَّ مَنْ دَخَلَ دار أبي سفيان على ما تقدم من السيرة، ثم كانت إلى الله السريرة، فأما الظاهر فإنهم من المؤلفة قلوبهم، والمؤلّبة على أول الاسلام وآخره حروبهم.
وكان معاوية ﵁ كثير السؤدد، لا يخف كالجبل القردد (٢)، بحر لا يدرك قراره، وطودٌ لا يدهك (٣)، وقاره، وفحل لا يُردّ نِفارُهُ، ومِنْصَلٌ لا يَحدّ غراره، طبع الحلم فيه غريزةً، وَوِضع السداد فيه تحيزَة (٤)، لم يكن أوسع منه بطانًا ولا أمنع منه سلطانًا، لا يؤثر ذنب في غزير حلمه، ولا يؤاخذ مسيئًا بكبير جرمه، لو أن أمله في النجم لَبَلَغَهُ، أو في اليم لسوَّغَهُ، بحبل اصيد من الفخاح، وأجول في الفضاء من الرخاخ (٥)، بتلطف لو أراد لتشرب في مسام الزجاج، وعَذُبَ به مذاق
(١) أم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان كانت تحت عبد الله بن جحش فهاجر بها إلى الحبشة ثم انه تنصر وأقامت أم حبيبة على الإسلام فتزوجها رسول الله ﷺ ومهرها عنه النجاشي، توفيت سنة ٤٤ هـ، انظر: أنساب الاشراف ١/ ٥٢٨ وطبقات ابن سعد ٨/ ٦٨. (٢) القردد: المستوي الغليظ المرتفع. (٣) دهك: كسر وطحن. (٤) النحيزة: الطبيعة. (٥) الرخاخ: جمع رخ، وهو طائر خرافي بالغ القدامى في وصفه، وبه سميت قطعة من قطع الشطرنج.