للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومستخبر عنّا يُريد لنا الرَّدى … ومستخبرات والدّموع تسيلُ

ثم طلب ابنه الوليد وقال له (١): إذا أنا مت فضعني في قبري ولا تعصر عينيك عَصْر الأمة، ولكن شَمِّر وأَبْرِز والبس للناس جلد نَمِر، فمن قال برأسه كذا فقل بسيفك هكذا، فقلما اجتمع فحلان في ذود إلا بغى أحدهما على الآخر، فكن أنت الباغي، ثم بقي بمنتهه يقول: إنه لا يقول: إنه لا يجتمع فحلان في ذود، ولا سيفان في غمد.

ولد عبد الملك في رمضان سنة ست وعشرين، وتوفي في نصف شعبان سنة ست وثمانين وعمره ثلاث وستون سنة ومدة ولايته بعد مقتل ابن الزبير وهي الخلافة المجمع عليها ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وخمسة عشر يومًا، وكانت الفتنة نحو تسع سنين، وقبره خارج باب الجابية بدمشق، وقال شاعر يرثيه (٢): [من الطويل]

سقاك ابن مروان من الغيث مُسْبِلُ … اجَشُّ سماحي يَجُودُ وَيَهْطِلُ

فما في حياة بعد موتك رغْبَةٌ … لِحُرِّ وإن كان الوليد يُؤَمَّلُ

[٨] دولة ابنه الوليد (٣) بن عبد الملك، أبي العباس

عَمَّر بيوت الله التي أذن أن تُرفع، وسطّر في صحفه من أجرها ما ينفع، عم المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ لها الرحال، ولَمَّ شعثها في أيْسَرِ حال، وعنى بمسجد دمشق حتى انتاش من أيدي النصارى شطره، وكمل بالمساحة قُطره، فقوّم شقه المائل، واستسلم كافره المتحايل، فقام المؤذن لا يشوش عليه صوت ناقوس، والإمام لا يخلط عليه ترنم قسوس، وحسم في الشق المائل منه العِلَّة، ونصب وجه المديح الى القبلة، وأصبح الدين كله لله من بعدما أعرض، ونأى بجانبه، وشا كفره جُهْدَ مُناصِبِهِ، وعوَّض النصارى بما كان للمسلمين من نصف كنيسة مريم، وعوَّل على ما رآه وصمم، ثم أغرب بناءه وأغرب سماءه، حتى رفع على السماك سمكه، ووضع بإزاء السماء حبكه، ولو كان هذا موضع القول لأطلت وأطنبتُ وأمللت، إلا أن الوليد كان يُعاب لُبه بالفراغ، ورأسه بخفة الدماغ، كان أخف من خطرة نسيم،


(١) انظر وصيته للوليد في: تاريخ اليعقوبي ٣/ ٢٩.
(٢) البيتان بدون نسبة في أنساب الاشراف ٦/ ٣٨٨.
(٣) بويع له يوم وفاة أبيه سنة ٨٦ هـ، وكان ظلومًا غشومًا، إلا أنه اهتم بالبناء، فبني المسجد الجامع بدمشق ومسجد رسول الله بالمدينة والمسجد الأقصى، ومنع المجذومين من مخالطة الناس وأجرى لهم الارزاق وبنى المستشفيات، وهو أول من أحدثها في الاسلام، وفتحت في أيامه بلاد كثيرة امتدت الى الهند وتركستان والصين، توفي سنة ٩٦ هـ وله (٤٣) سنة. انظر: أنساب الاشراف ٧/ ٥ ومروج الذهب ٢/ ١٢٣ وتاريخ الطبري وكامل ابن الاثير أحداث ما بين ٨٦ و ٩٦ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>