للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأطيش من نارٍ في هشيم، وكان يَتَلَجْلَج لحنًا، ويتحرج ولا يقول كلامًا لا معنى، غالبه مثل كلام النائم أو السكران، هي ألفاظ إلا أنّه لا يفهمها الانسان، فكان خفيفًا لحانًا، لا يقيم لسانه خطأً ولا عقله امتحانًا، وكان على هَوجِهِ الشديد وعوجه عن النهج السديد، شديد المهابة مجيد الإصابة، سعادةً أخْدَمَتْه بها الأقدار، وقدّمته إليها أضعاف المقدار، وكان معظمًا لجانب الحجاج، حتى أنه كان أمكن عنده بما كان عند أبيه عقدة، وأقرب مكانًا ومودّة، وإمكانًا في رخاء وشدّة، وكان الوليد إذا ذكره قال: هو الذي مهد لمنابرنا وسهد جفونه لنوم أكابرنا، يُعدّد صنعة السالف، وردعة المخالف، ويرى أنّه من أكرم زُلَفِهِ وأعظم ما جاءَهُ الدهر به من تُحَفِهِ، وكذلك كان الحجاج، له صدق ولاء لا يُكذِّب، واجماع لا يُشَذَّب، حتى إنه لما احتضر كتب إليه كتابًا أوْدَعَه ما فارقه به وودعه، زَعَمَ فيه أن رضى الوليد سبب مفازه، وموجب دخوله الى الجنة وجوازه، وقال فيه: [من الطويل]

إذا لقيت الله عنّي راضيًا … فإن سرور النفس فيما هنالك

ولما رجع الوليد من جنازة أبيه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال (١): لم أر مثلها مصيبة، ولم أر مثله ثوابًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون لعظم المصيبة، والحمد لله على حسن العطية، إني قد كفيت ما كفت الخلفاء قبل تتكلم به فمن كان في قلبه حب فليمت بدائه، ومن مال به أملنا رأسه.

وولي عمر بن عبد العزيز المدينة (٢) وأمره أن يبني مسجدها ويجعله مائتي ذراع، وبَعَثَ بالفَعَلَةِ من الشام، وكتب الى ملك الروم أن يُعينه في بنائه، فبعث إليه بمائة ألف مثقال ذهب، ومائة فاعل وأربعين جملًا فسيفساء (٣) مذهبة وبعث الى عاملة بمكة في عمل الفسيفساء (٤) وترخيم الجُدَر بالمسجد، وبَعَثَ في عمارة المسجد الأقصى، وشرع هو في عمارة مسجد دمشق، وقال (٥) لأصحابه: أقسمت عليكم لما أتاني كل واحد بلبنة، فجعل رجل من أهل العراق يأتيه بلبنتين، فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، فقال: يا أهل العراق، تفرطون في كل شيء حتى في الطاعة.

وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة اصبغ بن محمد بن محمد بن لهيعة السكسكي: ان الوليد حين بنى مسجد دمشق مَرَّ برجل ممن يعمل فيه وهو يبكي، فقال: ما قصتك؟


(١) انظر خطبته في أنساب الاشراف ٦/ ٣٨٨ ومروج الذهب ٢/ ١٢٤ وتاريخ الطبري ٦/ ٤٢٣.
(٢) ولاه سنة ٨٧ هـ وعزله سنة ٩٣ هـ انظر: تاريخ الطبري ٦/ ٤٢٧ و ٤٨١.
(٣) في الاصل: فستغليسا.
(٤) في الاصل: فسفيسا، وانظر الخبر في الاخبار الطوال ص ٣٢٦ وانساب الاشراف ٧/ ١٣.
(٥) تاريخ الطبري ٦/ ٤٩٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>