للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال: يا أمير المؤمنين، كنت رجلًا جمالا، فلقيني يومًا رَجُلٌ فقال لي: أتحملني الى مكان كذا، وذكر لي موضعًا في البرية، فقلت: نعم، فلما سرنا بعض الطريق الْتَفَتَ إِليَّ فقال: إن بلغنا الموضع الذي ذكرته لك أغنيتُك، وإن مِتُّ فاحمل جثتي الى حيث أصف لك، فإن ثم قصرًا خرابًا فإذا بلغته فامكث إلى ضحوة نهار، ثم عد سبع شرفات من القصر، واحفر تحت ظل السابع قدر قامه تجد بلاطة فاقلعها، تجد مغارة ترى فيها سريرين على أحدهما رجل ميت، فاجعلني على السرير الآخر، وحمّل ما معك مالًا من المغارة وارجع الى بلدك، فمات الرجل في الطريق، فَفَعَلْتُ ما أمرني به، وكان معي أربعة جمال وحمارةً، فاوسقتها كلّها مالًا، من المغارة، وسرتُ بعض الطريق، وكانت معي مخلاة نسيتُ إملاءها، وداخلني الشَّرَهُ، فرجعتُ بها وترَكْتُ الجمال والحمارة، فلم أجد المكان، ورجعتُ فلم أجد الدواب، فبقيت أدور، فلما يئست رجعت الى دمشق ولم أحصل على شيء، واضطرني الأمر الى ما ترى، أعمل في التراب كل يوم بدرهم، وكلّما ذكرت حالي لم أملك نفسي أن أبكي، فقال له الوليد: لم يقسم الله لك من تلك الأموال شيئًا، وإليَّ صارت وبنيت بها هذا المسجد.

وعزل المجذمين في مكان، وأعطاهم، وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادمًا، وكل ضرير قائدًا (١).

وكان (٢) صاحب بناء واتخاذ مصانع، وكان عند أهل الشام من أفضل خلفائهم قال ابن الاثير (٣): وفتح في ولايته فتوحات عظام، منها الاندلس وكاشغر والهند، ثم قال: يمرّ بالبقال فيقف عليه يأخذ حزمة بقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زِدْ فيها.

قلت: وقد قيل أنه أوّل من تجبر من الخلفاء، وقال الوليد (٤). أنا أنفق على الكعبة وأكسوها وأطيبها، فعلام يأخذ بنو شيبة هداياها، لأمنعنهم إياها العام، فأَرْمَضَهُم، وخرج الوليد حاجًا فخرجوا يتلقونه، فوجدوا الحجاج معه، فقالوا له: أنت وإن كنت معزولا عنا، فإنك محمود عندنا، وحُرْمتُنا لا تنكر، وقد بلغنا كذا، ففزعنا إليك، فقال: إذا دخلتم على أمير المؤمنين فتجنبوني عنده، ثم سلّموا عليه خالي الوجه، ودعوني أكفيكموه، ففعلوا، فلما خرجوا قال الحجاج: على ما يدعُ هؤلاء وهدايا الكعبة، قال: قد أجمعت على أخذها، قال: فافعل، فإني أشرت بهذا على أمير المؤمنين عبد الملك، فقال: أنا أبرأ الى الله من هذا؟ فقال الوليد: أنا أبرأ مما برأ منه أمير المؤمنين عبد الملك، وتركها لهم.


(١) تاريخ الطبري ٦/ ٤٩٦.
(٢) النص في تاريخ الطبري ٦/ ٤٩٦.
(٣) الكامل ٤/ ١٣٧.
(٤) انظر الخبر في انساب الاشراف ٧/ ١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>