الكذب وزعمت انك أتخذتني ذريعة وسلمًا الى مساءة أهل العراق باستحلال ما حرّم الله عليك مني، ولم يكن لي عليك قوّة فوكلتك الى الله والى أمير المؤمنين، فحفظ من حقي ما لم تحفظه، فوالله إن النصارى على كفرهم لو رأوا رَجُلًا خَدَم المسيح ابن مريم ﵇ يومًا واحدًا لعرفوا من حقه ما لم تَعْرِفُهُ من حقي، وقد خدَمْتُ رسول الله ﷺ عشر سنين وبعد فإن رأينا خيرًا حمدنا الله ﷿ عليه، وإن رأينا غير ذلك صبرنا، والله المستعان (١)، فردّ الحجاج عليه ما كان قبض من أموالهم.
وأراد عبد الملك أخاه عبد العزيز على أن يخلع نفسه فأبى، فكتب إليه يعتبه ويقول: احمل إلي خراج مصر، فكتب إليه (٢): يا أمير المؤمنين إنا قد بلغنا سنًّا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه بَعْدَها قليلا، وأنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولًا، فإن رأيت ألا تُغثّث (٣) عليّ بقيّة عمري فافعل، فرق له عبد الملك، وقال: لعمري لا فعلت ذلك، ولا سؤت أخي، وقال لبنيه، إن يُرد الله يُعْطِكم إياها، ثم لم يلبث أن أتاه نعي عبد العزيز، فاسترجع وبكى وَوَجَم ساعة، ثم قال: رحم الله عبد العزيز، فقد مضى لسبيله ولا بُدَّ للناس من علم يسكنون له، وقائم يقوم بالأمر بعدي، وكان مؤثرًا للوليد من بنيه على حبه لكلّهم، وكان الحجاج يكتب إليه بأن يعهد إلى الوليد، فعهد الى الوليد، ثم الى سليمان، وكتب ببيعته الى المدينة وسائر الآفاق.
مرض عبد الملك مرض موته، فقال بعض الاطباء: إن شرب الماء مات فاشتد عطشه، فقال: يا وليد اسقني قال: لا أعين عليك، فقال: يا فاطمة اسقيني،، فقامت لتسقيه فمنعها الوليد، فقال له عبد الملك (٤): لتدعنها أو لأخلعنك، فقال: لم يبق بعد هذا شيء، فسقته، فَحْمَدَ.
وكان عبد الملك قد كرب للموت، فقال: اصعدوا بي أعلا الدار فصعدوا فرأى من كوّة فيها قصارًا ومن حوله حمار له يرتع، فقال: يا ليتني كنت قصارًا، يا ليتني كنت حمار القصار، فأتى الوليد يسأل عنه وفاطمة بنت عبد الملك تبكي، ففتح عبد الملك عينه وأنْشَدَ (٥): [من الطويل]
(١) في الاخبار الموفقيات: فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك، وان يك غير ذلك صبرنا الى أن يأتي الله بالفرج. (٢) انظر رسالته في تاريخ الطبري ٦/ ٤١٤، والخبر في انساب الاشراف ٦/ ٣٧١. (٣) تغثث: أي تفسد وتكدّر. (٤) في الاصل: الوليد، وهو من سهو النساخ، والتصويب عن انساب الاشراف ٦/ ٣٨٧. (٥) البيت والخبر في مروج الذهب ٢/ ١٢٣ وفيه: ومشتغل عنا يريد بنا الردى … ومستعبرات والدموع سواجم