للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في اللؤم والدناءة في المرؤة والخلع وقد بلغ أمير المؤمنين الذي كان منك الى أنس بن مالك جراءةً وإقدامًا، وأظنّ أنك أردت أن تسبر ما عند أمير المؤمنين في أمره، فَتَعْلَم إنكاره أو إغضاؤه عنه، فإن سوءك ما كان منك مضيت عليه إقدامًا، فعليك لعنة الله من عبد أخفش العينين أصلّ الرجلين ممسوح الجاعرتين (١). ولولا أن أمير المؤمنين يظن أن الكاتب كثر في الكتاب من الشيخ الى أمير المؤمنين فيك لأتاك من يسحبك على ظهرك وبطنك حتى يأتي بك أنسًا فيحكم فيك، فأكرم أنسًا وأهل بيته، واعرف له حقه وخدمته رسول الله ، ولا تقصر في شيء من حوائجه، ولا يبلغن أمير المؤمنين عنك خلاف ما تقدم فيه إليك من أمر أنس وبره وإكرامه، فيبعث إليك من يضرب ظهرك، ويهتك سترك ويُشمت بك عدوّك، وألقه في بيته متنصلا إليه، وليكتب إلى أمير المؤمنين برضاه عنك إن شاء الله والسلام.

وبعث بالكتاب مع إسماعيل (٢) بن عبد الله مولى بني مخزوم، فأتى إسماعيل أنسًا بكتاب عبد الملك إليه فقرأه، ثم أتى الحجاج بالكتاب إليه، فَجَعَل يقرأه ووجهه يتغيّر ويتمعّر (٣)، وجبينه يرشح عرقًا وهو يقول يغفر الله لأمير المؤمنين، فما كنت أظنّه يبلغ مني هذا كله، ثم قال لاسماعيل، انطلق بنا الى أنس، قال اسماعيل: فقلت: يأتيك، قال: فقم إذًا، فأتى أنسًا، فأقبلا جميعًا حتى دخلا على الحجاج، فرحب به الحجاج وأدناه، وقال: يا أبا حمزة عجلت يرحمك الله باللائمة والتنكية الى أمير المؤمنين، قبل أن يَعْلَم كل الذي لك عندي، إنَّ الذي فرط مني إليك عن غير نية ولا رضى بما فعلت، ولكني أردت أن يعلم أهل العراق إذ كان من ابنك ما كان إذا بلغتُ منك ما بلغت كنت بالغلظة والعقوبة أسرع، فقال أنس: ما شكوت حتى بلغ الجهد (٤)، وقد زعمت إننا الأشرار وسمانا الله ﷿ الأنصار (٥)، وزعمت إنا أهل النفاق، ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان، وسيحكم الله بيننا وبينك فهو أقدر على الغير (٦)، لا يشبه الحق عنده الباطل ولا الصدق


(١) الجاعرتين: هما لحمتان تكتنفان أصل الذنب في الحيوان.
(٢) اسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، أبو عبد الحميد، مؤدب أولاد عبد الملك بن مروان وولاه عمر بن عبد العزيز افريقية، مات سنة ١٣٢، انظر: الشذرات ١/ ١٨١ ومشاهير علماء الأمصار (٨/ ١٤).
(٣) يتمعر: يتغير وتعلوه صفرة.
(٤) في الاصل الحقد والتصويب عن الانساب وفي الاخبار الموفقيات ما عجلت باللائمة حتى تناولنا العامة دون الخاصة.
(٥) بعدها في الموفقيات وزعمت أنا أهل بخل، ونحن المؤثرون على أنفسهم.
(٦) في الاصل: العز والتصويب عن انساب الاشراف.

<<  <  ج: ص:  >  >>