للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وجَلَسَ حتى فرغ من حوائج الناس، ثم أقبل عون عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن ببابك جرير بن عطية الشاعر وهو يطلب الإذن، فقال عمر: أو يُمنع أحد من الدخول علي، قال: لا يا أمير المؤمنين، ولكنه يطلب إذنًا خاصًا ينشدك فيه، فقال: يا غلام، أدخل جريرًا، فأدخل عليه وعون جالس، فأنشد جرير: [من البسيط]

أأذكر الجهد والبلوى التي شَمَلَتْ … ام اكتفي بالذي أبليت من خبري (١)

كم بالمواسم من شعثاء مُرمِلَة (٢) … ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر

ممن ترجى له من بعد والدِهِ … كالفرخ في العش لم ينهض ولم يطر

فبكى عمر حتى بلت دموعه لحيته، وأمر بصدقات تفرّق على الفقراء، فقال جرير:

هذي الأرامل قد قضيت حاجتها … فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر

فقال له: يا جرير، أأنت من المهاجرين الأولين؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد الأنصار؟ قال: لا، قال: أفمن أولاد التابعين باحسان؟ قال: لا، قال: أفمن فقراء المسلمين فنجريك على ما نجري عليه الفقراء؟ قال: قدري فوق ذلك، قال: أفأنت ابن سبيل فنُعينك على سفرك؟ قال: وقدري فوق ذلك، فقال: يا جرير ما أرى لك بين الدفتين حقًا، فولّى جرير، فقال عون: يا أمير المؤمنين، إن الخلفاء كانت تعود الاحسان، وإن مثل لسانه يتقى، فقال عمر: ردّه، فردّ، فقال: يا جرير إن عندي من مالي عشرين دينارًا وأربعة أثواب، فأقاسمك ذلك؟ فقال: بل نوفّر يا أمير المؤمنين، ونحمد، فلما خرج تلقاه الناس فقالوا: ما وراءك؟ قال: خرجت من عند رجل يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني له لحامد، ولم يذكره بسوء، ورثاه حين مات.

وقال البلاذري (٣): كتب عدي بن أرطاة الى عمر يستأذنه في عذاب قوم من عمال الخراج امتنعوا من أداء ما عليهم، فكتب إليه: أما بَعْدُ فالعجب كل العجب من استأذانك إياي في عذاب البشر، كأنّي جُنّة لك من عذاب الله، أو كأن رضاي ينجيك من سخط الله، فمن أعطاك ما قبله عفوًا فاقبله، ومن قامت عليه البيئة فخذه بما ثبت بالبينة عليه، ومَنْ أنكر استحلفه، فوالله لأن تلقوا الله بجناياتهم أحب إلي من أن ألقاه بعذابهم والسلام.


(١) الابيات من قصيدة في ديوانه ص ٢٧٤، وفيه: … البلوى التي نزلت.
(٢) الديوان: أرملة.
(٣) انساب الاشراف ٧/ ٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>