للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأنام، وهو يُدعى بالإمام، ويسعى بما لم يحمد الله ولا الأنام، وأبرز جارية وطئها لتصلي بالناس في زي غلام (١)، ورضيها استخفافًا منه بذلك المقام، ولكنه كان فتى من فتيان قريش يرتاح للندى، ويلتاح قمرًا إذا بدا، لم يكن في بني مروان أفخم منه وسامة، ولا أفخر إذا لبس العمامة، يُعطي الألاف الآلاف، ولا يُبالي بالتلاف، جودًا خُلق من عنصره، وخُلق وهو نطفةً من عنبره، استنشد طوائف الشعراء وأجازهم، واستقدم أهل الغناء ليكمل به مجلسه وما عازهم، وما سَمِعَ بفتاة ذات جمال إلا هام بها، وهان عليه ما يبذل بسببها، لإفراط ولوعه بالقيان، ونزوعه الى المشاهدة منهنَّ والعيان، هوى سلمى وسعدى (٢)، وفنى بهما تيمًا ووجدا، خطبهما في آل عثمان اختين بكل واحدة منهن كَلَفًا انتهب خلبه، وشغَفَ شَغَفًَا سَلَبَ من صدره قلبه، حتى كانت تلك الميتة ميتته، وتلك البيتة التي صبح في غداتها بيتته ولجب عليه الدار، ولجت في طلبه بالدمار، فلما علم أن الموت قد أبرز له من خبء الضلوع دفائنه، وأنْشَبَ به من مدى الأعداء براثنه تاب حين لا متاب، وعتب حين لا ينفع الاعتاب ولا يُسمع العتاب، وأخَذَ المصحف وقعد يقرأ القرآن، ويدرأ الحد بالتظاهر بالإيمان، وبعد عن نفسه حين لا ينفع نفسًا إيمانها، ولا يكفر سيئات إحسانها، ظنًا أنه بقية الإيمان، ويقول: يوم كيوم عثمان، وهيهات وقد حَضَرَت المنية، ونظرت إلى مواضعها في بيوته الرزيّة، ونَضَجَت على وريده رشاش البلية، وإنما عوقب بحق واضح، وحوبِ فاضح، انتهك حرمة الاسلام فأُخِذَ تلك الأخذة الرابية.

وحكى ابن الاثير (٣): ان الوليد هذا قال: الغناء يزيد في الشهوة ويهدم المروءة، وينوب عن الخمر، ويفعل ما لا يفعل السكر، فإن كنتم ولا بُدَّ فاعلين


= صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٥ - ١٦] فدعا بالمصحف فنصبه غرضًا للنشاب وقال:
أتوعد كل جبار عنيد … فهأنذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم حشر … فقل يارب خرقني الوليد
(١) انظر الخبر في الاغاني ٧/ ٤٧.
(٢) كانت عنده سعدى أو سعدة بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان قبل أن يلي الخلافة فزارتها اختها سلمى فرآها الوليد فأعجبته، فطلق أختها وخطبها إلى أبيها فامتنع، فلما ولي الخلافة بعث إلى سعيد بن خالد فقسره على أن يزوجه سلمى، فلما حملت إليه ماتت في الطريق. انظر: انساب الاشراف/ ٧/ ٤٧٤ والاغاني / ٧/ ٢٥، وسيذكر المؤلف ذلك عن الانساب.
(٣) الكامل ٤/ ٢٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>