للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما موسى بن عبد الله فإنه اختفى بالبصرة فأخذه المنصور وضربه سبعين سوطًا ثم عفا عنه.

وكان يدعى الجون لسواد لونه، حملت به أمه بعد أن بلغت ستين عامًا. وكانت له شيعة يدعون إليه، وأقيمت له الخطبة في أماكن في الحجاز واليمن وهو متستر. وكان آواه ابن هرمة لتشيعه، وترك الخمر لأجله على تهتكه فيه، فقال له موسى: إني حرمتك لذتك، وعلمت أنك إنما تركت السكر لئلا يحملك على أن تنم بي، فدعني أسيح في أرض الله؛ فلما خرج من عنده ظفر به، وقال فيه ابن هرمة شعرًا بلغ المنصور فدس عليه من سأله عن قائلها، فقال: من عض بظر أمه، فنقلت إلى المنصور فضحك، فقال لابن هرمة ابنه: لم شتمت نفسك؟ فقال: يا أحمق: أليس يعض المرء بظر أمه خير من أن يأخذه ابن قحطبة أو يكون في تلك السطور المصلبة؛ يعين رجالًا أمسكوا بسبب عبد الله فصلبوا.

وللجون شعر طائل منه قوله: [من الطويل]

إذا أنا لم أقبل مِنَ الدهرِ كُلَّ ما … تكرهتُ فيهِ طال عتبي على الدهر

إلى الله كل الأمر في الخلق كلهم … وليس إلى المخلوق شيءٌ مِنَ الأمر

تعودت مُرَّ الضُّرّ حتى ألفتُهُ … وأسلمني حُسْنُ العزاء إلى الصبر

ووسع صدري للأذى الأنس بالأذى … وإن كنتُ أحيانًا يضيقُ به صدري!

ومنه قوله: [من مجزوء الوافر]

تولَّتْ بهجة الدنيا … فكلُّ جديدِها خَلِقُ

وخان الناس كلُّهم … فما أدري بمن أَثِقُ؟

فلا كرم، ولا أدب، … ولا دين، ولا خُلق!

ولست مصدقُ الأقوام … في شيء وإنْ صَدقوا

وأما سليمان بن عبد الله، فكان ممن خرج بفخ مع الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن؛ لما خرج على الهادي فقتل.

وقال البيهقي: إنه يعرف بسليمان المغرب آجر نفسه أجيرًا لملاح في البحر، وعسيفًا لجمال في البر، وتطلبه ولاة بني العباس فدافعت عنه البربر، فقال فيهم: [من الكامل]

روحي الفداء لعصبةٍ غربيةٍ … أُغروا ببري وانتموا للبربر

حفظوا النبي وشرعَهُ في آلهِ … بأسًا بكل مشطب أو سمهري

ما ضرهم إذ نابذتنا هاشم … ووفت لنا إن لم تكن من عنصري

وهو القائل: [المنسرح]

<<  <  ج: ص:  >  >>