للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال ابن أبي أصيبعة (١): من أهل إشبيلية، ومن أعيان علمائها، وأكابر فضلائها وقد أتقن علم النبات ومعرفة أشخاص الأدوية وقواها ومنافعها واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وله الذكر الشائع، وحسن الوصف الجامع، قد شرف نفسه بالفضائل وسمع الحديث وانتفع الناس به، وأتى مصر والشام وعاين فيها نباتًا كثيرًا لا ينبت بالمغرب، وشاهد أشخاصها في منابتها، ونظرها في مواضعها، ولما قدم الإسكندرية كان الملك العادل بن أيوب بالقاهرة فاستدعاه وأكرم ملتقاه وأراده على الإقامة عنده، فقال: إنما أتيت، لأحج ثم أعود إلى بلدي وأهلي وولدي، ثم قضى فريضة حجه وعاد.

ومنهم:

[١١٩] ابن الأصم (٢)

وهو ابن الأصم إلا أنه كان أسمع، وانعقد عليه التفضيل وأجمع، وكان يكرم أبا، ويعد منه والدًا. لو كان من الشهور لكان رجبا، إلى طب طالما صاد به المنون، وصاد ما لم تجله الظنون، وانتتاش مهجة لم يبق منها إلا آخر الذماء، ورد مرضًا لم يطل زاخر الدماء، وكانت اشبيلية به في حلل المفاخر تختال، وتكف بأس من يغتال، وتتيه بنسبته إليها، وسمته التي دلت دليل نسيم السحر عليها.

قال ابن أبي أصيبعة (٣): هو من الأطباء المشهورين بإشبيلية، وله قوة نظر في الاستدلال على الأمراض ومداواتها، وله حكايات مشهورة ونوادر في معرفته بالقوارير وأخباره عندما يراها بجملة حال المريض وما يشكوه وما قد تناوله من الأغذية.

حدثني أبو عبد الله المعري قال: كنت يومًا عند ابن الأصم وإذا بجماعة قد أقبلوا إليه ومعهم رجل وفي فمه حية قد دخل بعضها مع رأسها في حلقه وبقيتها ظاهر، وهي مربوطة بخيط قنب إلى ذراع الرجل فقال لهم: ما شأن هذا؟ فقالوا له: إن من عادته أن ينام وفمه مفتوح، وكان قد أكل لبنًا ونام فلما جاءت هذه الحية، لعقت من فيه، ودخلته وهو نائم، فأحست بمن أتى، فخافت وانسااب بعضها في حلقه، وأدركناها فربطناها بهذا الخيط؛ لئلا تدخل في حلقه، وقد أتينا به إليك، فلما نظر إلى ذلك الرجل، وجده في الموت من الخوف فقال: لا بأس عليك، كدتم تهلكون الرجل ثم قطع الخيط


(١) عيون الأنباء ٥٣٨.
(٢) ترجمته في: عيون الأنباء ٥٣٨ - ٥٣٩.
(٣) عيون الأنباء ٥٣٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>