للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واستجلبه حتى دخل افريقية على شروط ثلاثة لم يف له بواحد منها.

قال: وبه ظهر الطب في الغرب، وعرفت الفلسفة، وكان خبيرًا بتأليف الأدوية المركبة، بصيرًا بتفرقة العلل، أشبه الأوائل في علمه وجودة قريحته، استوطن القيروان حينًا، وألف سكنه، وألف فيه كتبًا منها كتابه في داء المالنخوليا لم يسبق إليه ثم توحش له ابن الأغلب فصلبه.

وكان السبب أن ابن الأغلب كان نهمًا، وكان إسحاق يمنعه من كثير من المآكل، فقدم عليه حدث يهودي من الأندلس، فكان يخالف إسحاق فيما يشير به على ابن الأغلب، فقدم إليه يومًا لبن، وكان يشكو ضيق نفس فنهاه إسحاق عن أكله وخونه اليهودي عليه فأكله فعرض له في الليل ما أشرف منه على الهلاك، فأرسل يقول لإسحاق: هل عندك فرج؟ فقال: لا، فقيل له: هذه خمسمائة دينار وعالجه فأبى، فلم يزل حتى أوصل إلى ألف دينار، فأخذها وأطعمه الثلج حتى امتلأ ثم قيأه فخرج جميع اللبن، وقد تجبن ببرد الثلج، فقال له إسحاق: أيها الأمير لو دخل هذا اللبن أنابيب رئتك ولجج فيها أهلكك ضيق النفس لكنني أجهدته وأخرجته قبل وصوله، فقال ابن الأغلب: باع والله إسحاق روحي في النداء. اقطعوا رزقه، فخرج إسحاق إلى مكان في رحاب القيروان، وصار يكتب الصفات كل يوم بدنانير كثيرة، فقيل لابن الأغلب: طردت إسحاق أو دللته على الغنى، فسجنه فتبعه الناس إلى السجن يستوصفونه، فأخرجه ليلًا، ثم كانت له معه حكايات ومعاتبات أحنقته عليه، فقصده في ذراعيه حتى مات، ثم صلبه، ومكث حتى عشش في جوفه الطائر.

ومنهم:

[١٠٣] إسحاق بن سليمان الإسرائيلي (١)، أبو يعقوب

المعروف المشهور، والمألوف طبه المشكور، طالما وهب الكواكب إيقاظ نومه، ومنح الغياهب أنقاض يومه، ودانى العلياء لو حفظ لسانه ولفظ إلا إحسانه، لم يسلم من عثرات لا تقال، وتحفظ ولا تقال لعجلة كانت له خلقا، وكالت بالمكاييل عليه الشقاء فلم يخل من ملام، وكلام مثل كلام.

قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان طبيبًا فاضلًا بليغًا عالمًا مشهورًا بالحذق والمعرفة،


(١) ترجمته في: عيون الأنباء ٤٧٩ - ٤٨١، طبقات الأطباء ٨٧، أخبار العلماء ٨٨.
(٢) عيون الأنباء ٤٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>