جيد التصنيف، عالي الهمة، وهو الذي شاع ذكره، وانتشرت معرفته بالإسرائيلي. وهو من أهل مصر، وكان يكحل في أوليته. ثم سكن القيروان، ولازم إسحاق بن عمران وتتلمذ له. وخدم المهدي عبيد الله بالطب. وعمر إلى أن نيف على مائة سنة. ولم يتزوج امرأة ولا أولد ولدًا. وقيل له: أيسرك أن تخلف ولدًا؟ فقال: أما إذا بقي بعدي كتاب الحميات فلا يعني أن بقاء ذكره بهذا الكتاب الذي صنفه أكثر من بقاء ذكره بالولد.
ويروى أنه قال: لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد.
وحكى قال: لما قدمت من مصر على ابن الأغلب، بعث إليَّ بخمسمائة دينار قويت بها على السفر، فلما وصلت أدخلت عليه ساعة وصولي، فسلمت عليه بالأمرة، وفعلت ما يجب أن يفعل للملوك من التعبد، فرأيت مجلسه قليل الوقار والغالب عليه حب اللهو، فابتدأني بالكلام ابن خنيس المعروف باليوناني تقول إن الملوحة تجلو؟ قلت: نعم. قال: وتقول إن الحلاوة تجلو؟ قلت: نعم. قال لي: فالحلاوة إذا هي الملوحة، والملوحة هي الحلاوة، فقلت: إن الحلاوة تجلو بلطف وملاءمة، والملوحة تجلو بعنف. وتمادى على المكابرة، وأحب المغالطة. فلما رأيت ذلك منهم قلت له: أنت حي؟ قال: نعم. قلت: والكلب حي؟ قال: نعم. قلت: فأنت الكلب والكلب أنت. فضحك ضحكًا شديدًا، فعلمت أن رغبته في الهزل أكثر من الجد. قال: فلما وصل داعي المهدي إلى رقاده، أدناني وقربني، وكانت به حصاة في الكلى، فعالجته بدواء فيه العقارب المحرقة. فجلست ذات يوم مع قوم من كتامة فسألوني عن صنوف من العلل، وبقيت كلما أجبتهم لا يفقهون قولي. فقلت لهم: إنما أنتم بقر. فبلغ الخبر إلى داعي المهدي، فقال لي: تقابل إخواننا المؤمنين بما لا يجب، وتالله الكريم لولا أني أعذرك بأنك جاهل بحقهم، بما صار إليهم من معرفة الحق وأهله، لأضربن عنقك.
ومنهم:
[١٠٤] أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد المعروف بابن الجزار القيرواني (١)، أبو جعفر
طبيب كان في فعله محمودًا، وعلى فضله محسودًا، يكاد طبه يدافع الآجال،
(١) أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد، أبو جعفر القيرواني، ابن الجزار: طبيب مؤرخ، من أهل القيروان. توفي سنة ٣٦٩ هـ/ ٩٨٠ م. له «زاد المسافر وقوت الحاضر - خ» في الطب، مجلدان، منه نسخ في مكتبة الشعب بباريس ودرسدن بألمانيا ورنبور بالهند وهافانا بهولندة وشستربتي =