شفى المرض بطبه، وهو عن المريض همَّ خطبه، وأحسن علاجًا، وأحب في ليل المساءة انبلاجًا، وسلك من طرق القدماء أحصنها، وأحل من رمق الذماء أحصنها، وكان لا يكره على مر الدواء، ولا يضيق في علاج الداء؛ لمعرفته بالإبدال وقدرته إذا جد الجدال، فلم يزل محظيًا، ولم يبرح في قومه رضيًا.
قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان في أيام محمد بن عبد الرحمن الأوسط، وكان حاذقًا مجربًا، وكان صهر بني خالد، وله بقرطبة أصول ومكاسب، وكان لا يركب الدواب إلا من نتاجه، ولا يأكل إلا من زرعه، ولا يلبس إلا من كتان ضيعته، ولا يستخدم ببلاده إلا من أبناء عبيده.
ومنهم:
[١٠٦] يحيى بن إسحاق (٣)
حكيم لم يكذب صدق حدسه، ولا خفي غامض على حسه. كان بصره منورًا، ونظره لخفايا البواطن متصورًا، ولهذا قرطس سهمه وقُرِّط بالثريا اسمه، وسبق ذكره النجوم وقطعها، وسار في جميع الأرض كأنه أقطعها، وكان أهل زمانه يتهادونه تهادي الرياحين، ويظنون أنهم يحيون به إلى حين، وهيهات فيم يفخرون، وهيهات ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤).
(١) ترجمته في: عيون الأنباء ٤٨٥ وفيه اسمه «حمدين بن أبان» ٤، طبقات الأطباء ٩٣، أخبار العلماء ٧٨. (٢) عيون الأنباء ٤٨٥. (٣) يحيى بن إسحاق: طبيب ابن طبيب أندلسي، من أهل قرطبة. مسيحي النحلة. اعتنق الإسلام، وتأدب، وبرع في الطب. وتقدم في دولة عبد الرحمن الناصر الأموي. ووثق به الناصر فاستوزره وولاه الولايات والعمالات. وكان قائد «بطليوس» مدة. وصنف في الطب كناشًا سماه «الإبريسم» خمسة مجلدات كبار. توفي نحو سنة ٣٢٥ هـ/ نحو ٩٣٧ م. ترجمته في: عيون الأنباء ٤٨٨ - ٤٨٩، طبقات الحكماء ١٠٠، أخبار العلماء ٣٥٩، طبقات الأمم ١٠٠، بغية الملتمس ٤٨٣، الأعلام ٨/ ١٣٧. (٤) سورة يونس: الآية ٤٩.