وكان في أيام هشام المؤيد بالله وخدمه، وله اعتناء بقوى الأدوية، وفسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس العين زربي، وأفصح عن مكنونها، وأوضح مستغلق مضمونها، وهذا الكتاب ترجمه أطفان أيام المتوكل، وفسر من مفرداته ما عرف له اسم في اللغة العربية، وأبقى اسم ما لم يعرف له اسم.
قال: وأهدى أرمانوس صاحب القسطنطينية إلى عبد الرحمن الناصر هدايا جليلة عظيمة المقدار منها كتاب ديسقوريدس مكتوبًا بالإغريقي وهو اليوناني مصورًا بالتصوير الرومي العجيب، وكتب إلى الناصر يقول له: إن هذا الكتاب لا تجنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني ويعرف أشخاص الأدوية، فإن كان في بلدك من يحسن هذا، فزت بفائدة هذا الكتاب. فبقي في خزانة الناصر، ثم بعث أرمانوس إلى الناصر راهبًا اسمه نقولا، ففسر من أسماء عقاقيره ما كان مجهولًا، وهو أول من عمل بقرطبة درياق الفاروق.
قال ابن جلجل: واجتمع أطباء قرطبة مع نقولا على معرفة أشخاص الأدوية المذكورة في كتاب ديسقوريدس. قال: أدركت نقولا الراهب، ومن اجتمع معه في أيام المستنصر الحكم في صدر دولته، وصحبتهم فصح ببحث هؤلاء الوقوف على أشخاص هذه العقاقير بمدينة قرطبة، وتصحيح أسمائها إلا القليل الذي لا بال به ولا خطر له وذلك يكون في مثل عشرة أدوية.
ومنهم:
[١٠٨] أبو جعفر، يوسف بن محمد بن حسداي (١)
حكيم قل قدره، وجلا الظلماء بدره، تصدى طبه للأدواء فحسمها، وشد بناء الأعضاء وقد حطمها، وسرى علاجه في العلل الجسام سُرى الأرواح في الأجسام، وبهذا ثبت زلزالها وردها إلى مصاحبة الجسوم، وقد نوت اعتزالها، وفعل في هذا الغاية بلطف مداراته وكف ما لم يقدر الثوب على مواراته، ثم لم يغن عنه طبه إذ حان حينه وقرب مدى ما بينه وبين الموت بينه.
قال ابن أبي أصيبعة فيه (٢): من الفضلاء في صناعة الطب، وله اعتناء بالغ