قال ابن خلكان (١): كان فاضلًا في علوم الآداب، صنف كتابه الذي سماه الحديقة على أسلوب يتيمة الدهر للثعالبي، وكان عارفًا بفن الحكمة، وكان يقال له الأديب الحكيم، وكان ماهرًا في علوم الأوائل، وانتقل من الأندلس وسكن الإسكندرية، ثم انتقل إلى المهدية، فمات بها.
وذكره العماد في الخريدة (٢) وأثنى عليه.
وذكره ابن أبي أصيبعة وقال (٣): وهو من الأكابر الفضلاء في الطب وغيره. وبلغ في الطب مبلغًا لم يصل إليه غيره من الأطباء، وحصل من الأدب ما لم يدركه كثير من الأدباء. وكان فريدًا في علم الرياضي، مجيدًا لعلم الموسيقى، جيد اللعب بالعود، لطيف النادرة، فصيح اللسان، جيد المعاني، لشعره رونق.
وأتى مصر وأقام مدة بالقاهرة ثم عاد إلى الأندلس، وحبس بالإسكندرية؛ لأنه كان قد غرق بها مركب فيه أموال جليلة فالتزم بعمل آلات يخرج بها المركب بما فيه، وشرع في عمل الآلة بحبال إبريسم تنطوي على دواليب ليرفع بها المركب الغارق فغرم عليها جملة طائلة، فلما ظهر المركب الغارق، وقارب الخارج، ثقل على الحبال، فقطعها، وسقط إلى قعر البحر، فغضب الوالي عليه وحبسه، فكتب إلى ابن الصيرفي يستشفع به، وبعث إليه بقصيدتين يمدح بهما الأفضل بن أمير الجيوش وأول الأولى:
[من مجزوء الكامل]
الشمسُ دونك في المَحَلَّ … والطَّيبُ ذِكرُكَ بَلْ أَجَلْ
وأول الثانية: [من الكامل]
نسخت غرائب مدحك التشبيبا … وكَفَى بها غَزَلًا لنا ونَسِيبا
فأجابه بجواب وهو: [من الكامل]
لئن سَتَرَتْك الخِدْرُ عنَّا فربما … رأينا جلابيب السَّحابِ على الشمس
وردتني رقعة مولاي، فأخذت في تقبيلها كأني ظفرت بيد مصدرها، أو تمكنت من أنامل مسطرها، ووقفت على ما تضمنته من الفضل الباهر، وما أودعته من الجواهر [الطويل].
تكرِّرُ طَوْرًا مِنْ قرراة فصوله … فإن نحنُ أتَممنا قراءتَهُ عُدْنا
إذا ما نشرناه فكالمسكِ نَشْرُهُ … ونَطويهِ لا طَيَّ السامة بلْ ضَنَّا
فأما ما اشتملت عليه من الرضا، فحكم الدهر ضروره، وكون ما اتفق له عارض يتحقق ذهابه ومروره، ثقة بعواطف السلطان ومراحمه وسكونًا إلى ما جبلت النفوس
(١) وفيات الأعيان ١/ ٢٤٣.
(٢) خريدة القصر/ قسم المغرب ١/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٣) عيون الأنباء ٥٠١.