قال أبو الصفاء (١): لم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطلاعًا منه، على أحوال الناس وتراجمهم ووقائعهم ممن تقدمه، وممن عاصره. وأما أحوال الشرق ومتجددات التتار في بلادهم في أوقاتها، فكأنما كانت القصاد تجيء إليه والملطفات تتلى عليه بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه من الديوان، وأما الرقى والعزائم، فيحفظ منها جُملًا كثيرة، وله اليد الطولى في الروحانيات والطلاسم، وما يدخل في هذا الباب.
قال: وقرأت عليه من تصانيفه «إرشاد القاصد إلى أسخى المقاصد» و «اللباب في الحساب» و «نخب الذخائر في معرفة الجواهر» و «غنية اللبيب عند غيبة الطبيب ومما لم أقرأه من تصانيفه كشف الرين في أمراض العين».
قال: وأنشدني لنفسه: [من الكامل]
ولقد عجبت لعاكس للكيميا … في طبّهِ قد جاء بالشنعاء
يُلقي على العَينِ النُّحاس يحلّها … في لمحة كالفِضَّةِ البيضاء
وله تجمل في بيته وملبسه ومركوبه من الخيل المُسوَّمة والبزة الفاخرة، ثم إنه اقتصر وترك الخيل وآلى على نفسه أن لا يطب أحدًا إلا ببيته أو في المارستان أو في الطريق، وهو غاية في معرفة الأصناف من الجواهر والقماش والآلات وأنواع العقاقير والحيوانات، وما يحتاج إليه البيمارستان ولا يشترى بالبيمارستان المنصوري شيء ولا يدخل إليه إلا بعد عرضه عليه، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه لم يشتر البتة، وهذا اطلاع كثير وخبرة تامة؛ لأن البيمارستان يريد كل ما في الوجود مما يدخل في الطب والكحل والجراح وغير ذلك.
وأما معرفة الرقيق من المماليك والجواري فإليه المال في ذلك، ورأيت المولعين بالصنعة يحضرون إليه، ويذكرون له ما وقع لهم من خلل في أثناء أعمالهم، فيرشدهم إلى الصواب، ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد، ولم أر شيئًا يعوز من كمال الأدوات غير أن عربيته ضعيفة، وخطه أضعف من مرضى مارستانه، ومع ذلك فله كلام حسن ومعرفة بأصول الخط المنسوب، والكلام على ذلك. انتهى ما ذكره أبو الصفاء.
قلت: هذا رجل اجتمع بي وتردد إليَّ غير مرة، وجاريته الحديث كرة على كرة، وهو كما ذكره من الحديث الممتع والكلام المطمع، وقرأت عليه. ولقد كنت ألتقط من أثناء كلامه ثمرات الحكم، وأستدل له بمجاراته على سعة اطلاع ووفور مدد، ورأيت له في هذا ما لم أره لأحد، وكان يستجهل الأطباء، ويستبعد طرق معالجاتهم، ويستبشع كريه وصفاتهم، ويقول: أنا أعالج المرضى بما لا يستكره كهذه الأدوية الكريهة التي