للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الطب وموضوعاته، والعلاج وتبعاته، دقق في العلم حتى أوضح معالمه الوضعية، وبين الفرق في القوى الطبيعية، وجال نظرًا في التشريح، وقال فيه بالصريح، وذكر ترتيب الشريان على المنازل، ومكان الصاعد والنازل بكلام جلاه، وكمال مكن علاه، ولهذا ساد في أهل عصره، وعاذ بالظفر من قام بنصره، وأهل مصر يظنون أنه لو لامس الماء لالتهب، أو لمس التراب لأحاله إلى الذهب، يدعي أن له علمًا يقلب الأعيان أسرع من إدراك العيان لعلوم لم يضرب دونها سترًا، وبيان أتقنه وإن من البيان لسحرا.

ذكره الفاضل أبو الصفاء الصفدي وقال (١): فاضل، جمع أشتات العلوم وبرع في علوم الحكمة خصوصًا الرياضي فإنه إمام في الهيأة والهندسة والحساب له في ذلك تصانيف وأوضاع مفيدة.

وقال: قرأت عليه قطعة جيدة من كتاب أو قليدس، وكان يحل لي فيه ما أقرأه عليه بلا كلفة كأنما هو ممثل بين عينيه، فإذا ابتدأت في الشكل شرع هو فيسرد باقي الكلام سردًا، وأخذ الميل ووضع الشكل في حروفه في الرمل على التخت وعبّر عنه بعبارة جزلة، فصيحة، بينة، واضحة كأنه ما يعرف شيئًا غير ذلك الشكل. وقرأت عليه مقدمة في وضع الأوقاف فشرحها لي أحسن شرح، وقرأت عليه أول الإشكالات، وكان يحل شرح النصير الطوسي بأجل عبارة وأحلى إشارة، وما سألته عن شيء في وقت من الأوقات مما يتعلق بالحكمة من المنطق والطبيعي والرياضي والإلهي إلا وأجاب بأحسن جواب كأنَّ ما كان البارحة يطالع تلك المسألة طول الليل.

وأما الطب فإنه إمام عصره، وغالب طبه بخواص ومفردات يأتي بها وما يعرفها أحد؛ لأنه يغير كيفيتها أو صورتها حتى لا يعلم، وله إصابات غريبة في علاجه.

وأما الأدب، فإنه فريد فيه يفهم نكته، ويذوق غوامضه، ويستحضر من الأخبار والوقائع والوفيات للناس قاطبة جملة كبيرة، ويحفظ من الشعر شيئًا كثيرًا إلى الغاية من شعر العرب والمولدين والمحدثين والمتأخرين. وله في الأدب تصانيف، ويعرف العروض والبديع جيدًا. وما رأيت مثل ذهنه توقد ذكاء بسرعة ما لها روية، وما رأيت فيمن رأيت أصح ذهنًا منه، ولا أذكر.

وأما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها. كان ابن سيد الناس يقول: ما رأيت من يعبر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله. انتهى.


(١) الوافي بالوفيات ٢/ ٢٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>