وجلس مجلس الطلبة حتى أجلس، وشرح الله صدره، ومنح الشرف قدره، وفخر بما ذخر، وطما على البحر وقد زخر، وأحيا عظم فخاره الرميم وقد انتحر، ولاذ به الناس من كل جانب، وعاذ به المسالم والمجانب، وعاف وارده بعهده الأنهار واستذنب المذانب.
مولده سنة عشرين وستمائة ببغداد، حفظ القرآن في صباه وكتبًا في علوم شتى، وسمع الحديث، وكان إمامًا، عالمًا، فاضلًا كاملًا، وحيد دهره في علم التفسير، والفقه، والوعظ والحديث، خبيرًا بالمذهب، جامعًا لفنون من العلم، مليح الشكل، دمث الأخلاق، له وقع في القلوب، ومهابة في النفوس، طيب الإنشاء، رقيق الاستشهاد، درس بالمدرسة المستنصرية لطائفة الحنابلة بعد واقعة بغداد، وانتهت إليه رياسة العلم ببغداد، وصنف عدة كتب.
قال جلال الدين العكبري: كتب إليَّ النقيب قطب الدين الحسين بن الأقساسي من نظمه ببيتين، وأنشدني إياهما بعد ذلك:[من المتقارب]
كتابةُ صُدغيهِ قَدْ جُهْزَتْ … وأبدع في الحُسنِ خَطَاطُها
أخواني من لم ينظر بعين اليقظة ما بين يديه، توجهت الملامة في وقوعه إليه، ومن نسي حساب سيئاته، وجده مذكورًا في كتاب حافظيه، ومن لم يخف مقامه بين يدي ربه، فلا يحضر لديه، ومن اعتبر بمن عبر وغبر، ونظر العبر بالغير في نفسه وجانبيه. فيا من غفل عن ذنبه بين يدي ربه، أما علمت أن ربك مطلع عليه.
توفي يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وثمانين وستمائة ببغداد (١).