للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وإن ذهب بكرًا وأصالًا، وأبى ليله تضولًا ونهاره الإيصالا، أعاد عصر الإمام الشيباني مقبلًا، وقد شابت اللمم، وشانت معايب العجز الهمم، ونال من أكرومة الخلفاء ما كان ببره جديرًا وعلى شكره قديرًا.

كان عالم وقته، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره، وكان له في الأصول والفروع القدم العالي، وفي شرف الدين والدنيا المجلس السامي، والحظ الرفيع عند الإمامين القادر والقائم ، وأصحاب الإمام أحمد له يتبعون، ولتصانيفه يدرسون ويُدرِّسون، وبقوله يفتون، وعليه يعولون والفقهاء على اختلاف مذاهبهم وأصولهم كانوا عنده يجتمعون، ولمقاله يسمعون ويطيعون، وبه ينتفعون، وبالائتمام به يقتدون، وقد شوهد له من الحال ما يغني عن المقال، لا سيما مذهبه، واختلاف الروايات عنه، وما صح لديه منه مع معرفته بالقرآن وعلومه، والحديث، والفتاوى، والجدل، وغير ذلك من العلوم، مع الزهد والورع، والعفة، والقناعة، وانقطاعه عن الدنيا وأهلها، واشتغاله بتسطير العلم، وبثه، وإذاعته.

ولما خرج ابن حامد إلى الحج سنة اثنتين وأربعمائة سأله محمد بن علي المقرئ على من يدرس؟ وإلى من يجلس؟ فقال له: إلى هذا الفتى، وأشار إلى القاضي أبي يعلى، وكان لابن حامد أصحاب كثير، فتفرس في أبي يعلى ما أظهره الله تعالى عليه.

وكان فيه صبر على المكارة، واحتمال لما يلحقه من عدو وزلل، إن جرى من صديقه، وتعطف بالإحسان على الكبير والصغير، ويصطنع المعروف مع القاصي والداني، ويجري على سنن الإمام أحمد حذو القذة بالقذة، ولم يزل على طول الزمن يزداد جلالة، ونبلًا وعلمًا، وفضلًا.

وحضر سنة اثنتين وأربعمائة في دار الخلافة في أيام القائم بأمر الله مع الجم الغفير والعدد الكثير مع أهل العلم؛ لفساد قول أجرى من المخالفين لما شاع قراءة كتاب «إبطال التأويلات فخرج إلى أبي يعلى من القائم بأمر الله: الاعتقاد القادري في ذلك بما يعتقده أبو يعلى.

وكان قبل ذلك قد التمس منه حمل كتاب إبطال التأويلات» ليتأمل، فأعيد إلى أبي يعلى، وشكر له تصنيفه، فقرئ ذلك الاعتقاد الذي خرج من عند الخليفة القائم، والقارئ قائمًا على قدميه والموافق والمخالف بين يديه، ثم أخذت في تلك الصحيفة خطوط الحاضرين من أهل العلم والفقهاء على اختلاف مذاهبهم، وجعلت كالشرط المشروط، فأول من كتب الزاهد أبو الحسن القزويني «هذا هو قول أهل

<<  <  ج: ص:  >  >>