القلوب، وذكره عطر الأفواه والجيوب، ولذلك ما جار ابن المعتز حيث أراد استنهاض العامة إلا باسمه الذي صرخ به مناديه، وصرف الأنصار إلى ناديه، حتى كاد يتم أمره لو ساعده القدر، وساعفه الحظ الذي كسف الشمس وخسف القمر.
وكان لا يرى بعد ابن حنبل ﵁ إلا بدلًا من إمامه، وخلفًا منه إن وصل أحد بعده إلى مقامه كان شيخ الطائفة، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان، وكان له صيت عند السلطان وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين، والحفاظ للأصول المتقنين، والثقات المأمونين.
صحب جماعة من أصحاب أحمد، منهم: المروذي، وصحب سهلًا التستري، وصنف كتاب «شرح السنة» وتنزه عن ميراث أبيه، عن سبعين ألف درهم.
وكانت له مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر، تقدم الوزير ابن مقلة بالقبض على البربهاري فاستتر وقبض على جماعة من أكابر أصحابه، وحملوا إلى البصرة، فعاقب الله ابن مقلة على ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة، وعزله القاهر عن الوزارة، وطرح في داره النار، وقبض على القاهر يوم الأربعاء لست خلون من جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة، وحبس، وخلع، وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جميعًا فعمي، ثم تفضل الله، وأعاد البربهاري إلى حشمته، وزادت خصوصًا في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، علت كلمته، وظهر أصحابه، وانتشروا في الإنكار على المبتدعة حتى أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس، فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعهم الخليفة، وهو في روشنه، فسأل عن الحال، فأخبر بها، فاستهولها، وذلك في أيام الراضي.
ثم لم يزل المبتدعة يثقلون قلب الراضي على البربهاري، فتقدم الراضي إلى بدر الخرشني صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر البربهاري، وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول، فانتقل إلى الجانب الشرقي مستترًا، فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلثمائة.
وكان قد اختبأ عند أخت توزون بالجانب الشرقي، فبقي نحوًا من شهر، فلحقه قيام الدم، فقالت لخادمها - لما مات البربهاري -: انظر من يغسله، فجاء بالغاسل فغسله وغلق الباب حتى لا يعلم أحدٌ، ووقف يصلي عليه وحده، فاطلعت صاحبة الدار، فرأت الدار ملأى رجالًا بثياب بيض وخضر، فلما سلم لم تر أحدًا، فاستدعت الخادم، وقالت: أهلكتني مع أخي.