تعود إلى الجانب الآخر ثانيا وثالثا، وتجعل بينهما تناسبا هندسيا، حتى إذا حكمت معاقد الخيط ورتبت السّدى أضافت اللّحمة إليها، وتحكم العقد، وتراعي في جميع ذلك التناسب الهندسي، فلا تجعل طاقة أطول مما ينبغي؛ ولا أقصر ليلتئم النسج، ثم يقعد في زاوية ويرقب وقوع الصيد فيها، فإذا وقع شيء من الذباب والبق بادر إلى أخذه.
ومنها صنف قصار الأرجل تسمّى الفهد، فإذا أراد الصيد طلب زاوية من حائط، ووصل بين طرفي الزاوية بالنسج، فإنّ الذباب في آخر النهار لا يرى شيئا فيأوي إلى الزوايا فيقع في الشبكة، وربما يرسل خيطا من سقف وينزل على الخيط فيعلق نفسه، فإذا رأى ذبابة طارت بقربه رمى نفسه إليها فأخذها ولفّ خيطه عليها وأحكم وثاقها ثم جذبها إلى بيته.
ومنها صنف يسمّى الليث، وله ست عيون، فإذا رأى الذباب لطي بالأرض وسكن أطرافه، ثم وثب ولا يخطئ، وهو آفة الذباب.
ومنها صنف تسمى الرتيلا، وهي أردأ أصنافه، إذا مشى على إنسان يموت الإنسان من وجع يصيبه من لعابه لا من لسعه، وقد ذكرناه (١)، ويسمى عقرب الثعابين لأنه يقتلها.
ومنها صنف رديء التدبير ينسج على وجه الأرض والصخور، فإن وقع فيها شيء صاده، ومنها صنف دقيق الصنعة يركب مصيدته ويمشي، فإذا وقع فيها ذبابة تضطرب فيها فيتركها على حالها حتى يثق بوهنها وضعفها، فإن كان جائعا يمصّ رطوبتها، وإلاّ حملها إلى خزانته، وأكثر ما يقع الذباب في شبكة العناكب عند غروب الشمس.
وزعم قوم أنّ العناكب الإناث هن العوامل؛ والذكر أخرق لا يعرف النسج، وقال آخرون: إنّ الأنثى تأتي السّدى والذكر يأتي اللحمة، لأن اللحمة أقوى من السّدى، وهما شريكان في النسج، أو كالأستاذ مع التلميذ.
قال في كتاب العجائب:(٢) إذا شددت عنكبوتا في خرقة سوداء؛ وعلّقت على صاحب الحمّى تزول عنه، وقال بلنياس الحكيم: يسحق العنكبوت ويسقى في شيء من الأشربة لصاحب الحمّى البلغمية تزول من ساعتها، وزعم أنّه مجرّب، ونسجه يجعله على الموضع الذي يسيل منه الدم يقطعه، وإذا بخّر به طرد البق، مجرب.
قال ابن البيطار:(٣) ذكر أنّ نسج العنكبوت، إذا وضع على الجراحات الحادثة
(١) ارجع إلى حرف الراء تحت الرقم/ ١١٩. (٢) عجائب المخلوقات/ ٤٨١. (٣) جامع المفردات ٣/ ١٣٧.