للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ما زال يضطرم في القلب، والقلم يساعف، ولربما شعر، وهو منهمك في كتابة هذا الشرح أنه قد بدأ يلملم أطراف العلوم، ويجمعها إليه، فقد أتم علم القراءات، وأتقن العربية، وقرأ الفقه، وسمع الحديث، وبدأ قلبه ينتشي بمشاعر الرضا، تلك المشاعر التي تنتاب قلب طالب العلم وهو في أول طريقه، وقد خيل إليه أنه قد علم. حتى كان ذات يوم، وقد حضر كعادته مجلس قاضي القضاة جمال الدين المصري، وهو يلقي درسه في التفسير في المدرسة العادلية (١)، وجرى في أثنائه محاورة بين قاضي القضاة ومن يحضر درسه من أعيان الشيوخ والمدرسين حول من تحرم عليه الصدقة من ذوي القربى (٢)، ربما كان ذلك أثناء تفسيره لقوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾ (٣)، فقد جعل الله لذوي القربى الخمس مكان الصدقة، فمن هم ذوو القربى؟ ويفاجأ أبو شامة بقولهم جميعا، وكأن الأمر بالنسبة لهم لا يستحق عناء البحث والسؤال: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب. ويباغت أبو شامة بالجواب، ويتساءل: أحقا لا يفرق هؤلاء الكبار بين المطلب وعبد المطلب؟ أحقا يجهلون أن عبد المطلب هو ابن هاشم، وأن المراد هو المطلب عم عبد المطلب، ويأسى أبو شامة لحالهم وهو يراهم يتمرغون بتراب الخطأ، غير أن سنه، وهو الصغير بين الكبار، تحجزه أن يعلن لهم ما يعرفه من أن ذوي القربى الذين تحرم عليهم الصدقة هم بنو هاشم وبنو المطلب من أبناء عبد مناف، لا يشاركهم في ذلك أبناء عبد شمس ونوفل، ألم يسمعوا حديث رسول الله : «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» (٤)؟


(١) انظر ص ٤٧ من هذا الكتاب.
(٢) ذكر أبو شامة هذا المجلس في «كتاب الروضتين»: ١/ ٢٥ مغفلا تعيين المكان واسم قاضي القضاة، وقد استظهرته من سياق سيرته، والله أعلم.
(٣) سورة الأنفال، الآية ٤١.
(٤) أخرجه البخاري (٣١٤٠) من حديث جبير بن مطعم ، وهو في «مسند الإمام أحمد» برقم (١٦٧٤١).

<<  <   >  >>