التي رآها في منامه، أو رئيت له، فإذا أنت جمعت إليها ما نثره من أخباره كلما واتته المناسبة غدوت قريبا منه حقا قربا يتيح لك أن تطوي الزمن قرونا لتجلس بين يديه سامعا متأملا، وإن كان أحيانا يؤثر الصمت في بعض أخباره، فيتركك حائرا، تحاول اكتشاف ما أخفى، أو حل ما سكت عنه، ولا يسعفك بما يومئ إليك ببعضها بإشارة عابرة، إذ هي مجرد إشارة قد تقربك من الصواب، وقد تنأى بك عنه.
ومع إمعان النظر وإدمان القراءة بدأت تطفو من قاع الزمن شخصية أبي شامة أصيلة متفردة، وبشغف رحت أتتبع ملامحها، وفي سبيل الوصول إلى ملامح مكتملة قدر الإمكان نأيت بنفسي عن المنهج المتبع في كتابة التراجم عندنا، ذلك المنهج الذي يعمد إلى تقطيع أوصال المترجم، متحدثا عن عصره وحياته وثقافته، كلا على حدة، وكأنها أجزاء منفصلة، وسعيت إلى منهج متكامل يرينا الشخصية حية كما كانت في عصرها، وقد تلاحمت في كل واحد، نامية متطورة في زمانها الذي عاشته من طفولتها إلى شبابها وكهولتها، متواشجة مع أحداث عصرها، بقدر ما أسعفني التاريخ من أخباره، وبقدر ما أعان التحليل على فهمها، محاولا ما استطعت نقل التاريخ من خبر في صحيفة إلى واقع في الحياة.
وقد قسمت هذه الدراسة إلى قسمين: الأول في سيرته، والثاني في آثاره التاريخية، ثم أتبعته بسائر مؤلفاته في العلوم الأخرى، وبتلاميذه.
ولن أحدثك - أيها القارئ الكريم - عما وصلت إليه في هذه الدراسة، فدونك صفحاتها، غير أنك سترى من خلال ما كتبت أن أبا شامة لم يكن مؤرخا يرقب الحوادث من بعيد في برجه العاجي، ثم يدونها في هدوء، بل كان مؤرخا صاحب قضية، أبان عنها في مؤلفاته، ونافح عنها، ثم دفع حياته ثمنا لها.