للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ينتشر ذكره في الأرض بالعلم والخير (١). وقد كتمت حلمها هذا في صدرها زمنا، وها هي تفضي به الآن إلى صغيرها، راسمة له من خلاله ملامح مستقبله.

ويترسخ هذا الحلم في عقل الصغير، فيسعى بما في قلبه من حب كبير لها كي يحقق حلمها، وينكب بشغف وحرص غير معهودين في الصغار على تعلم القراءة والكتابة، مما يثير عجب والده منه، وهو الغافل عنه، ولكن الأم العارفة بالسر تقص على زوجها قصة الحلم الذي رأته (٢)، وكأنها - لإيمانها بتحققه تنفي به كل عجب.

وكان الصغير في غدوه ورواحه إلى المكتب تلتقط ذاكرته الغضة كل ما يراه ويسمعه، حتى تلك الأشعار التي كانت تغنى في الأسواق تعليقا على خبر، أو ذكرا لحادثة، وكان مما علق بذاكرته منها، تلك التي قيلت يوم دخل أسير فرنجي إلى جامع دمشق عند أذان الفجر سكران وبيده سيف قد شهره، وراح يهوي به على المصلين يمنة ويسرة، فقتل منهم رجلين أو ثلاثة، ووقعت بعض ضرباته في جانب المنبر، فأثرت فيه، واستيقظت دمشق على أخبار هذه الحادثة، ونظمت فيها أشعار منها:

مقصورة الخطيب طلب … والناس ولوا للهرب

في جانب المنبر ضرب … بالسيف حتى انكسر

وما كان لهذا الفرنجي المسعور أن ينجو من فعلته هذه، فقد شنق في آخر النهار بجسر اللبادين، ورآه الصغير متدليا من درابزين حافته الشرقية، وهو يمر بجيرون في طريقه نحو المكتب (٣).


(١) «المذيل»: ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) المصدر السالف.
(٣) «المذيل»: ١/ ١٩٤.

<<  <   >  >>