وما قاله باطل بما ذكرنا من الدليل على قبول خبر الواحد، ولا يصح قياسه على الشهادة، فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة.
قال أبو الخطاب (١): والعقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد، لأمور ثلاث (٢):
أحدها: أنا لو قصرنا العمل على القطع، لعطلت (٣) الأحكام، لندرة القواطع، وقلة مدارك اليقين.
الثاني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبعوث إلى الكافة، ولا يمكنه مشافهة جميعهم، ولا إبلاغهم بالتواتر.
الثالث: أنا إذا ظننا صدق الراوي فيه، ترجح وجود أمر الله تعالى، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، والاحتياط: العمل بالراجح.
وقال الأكثرون (٤): لا يجب التعبد بخبر الواحد عقلًا، ولا يستحيل ذلك، ولا يلزم من عدم التعبد به تعطيل الأحكام؛ لإمكان البقاء على البراءة الأصلية والاستصحاب (٥)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- مكلف بتبليغ من أمكنه تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.
(١) نقلها الجراعي نصًّا من الروضة، أما أبو الخطاب فإنه أشار إليه إشارة. انظر: روضة الناظر (١/ ٣٦٨)، التمهيد لأبي الخطاب (٣/ ٣٥، ٧٠). (٢) في روضة الناظر "ثلاثة". (٣) في المخطوط [تعطلت]. (٤) انظر: روضة الناظر (١/ ٣٦٨). (٥) الاستصحاب لغة: طلب المصاحبة واستمرارها. وشرعًا: استدامة إثبات ما كان ثابتًا أو نفي ما كان منفيًا. انظر: إعلام الموقعين (١/ ٢٩٤).