للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: وكان مجبول الطباع على حب البنيان، مشغوفا بتشييد مبانيه، مبالغًا في اتقانه، سخيًا بالإنفاق عليه، منه قصور قرطبة والرصافة ومنية كيتس. وفيها يقول أحمد (١) بن عبد ربه: [من الطويل]

ألما على قصر الخليفة وانظرا … إلى منية زهراء شيدت لأزهرا

مروّقة يستودع النجم سترها … فتحسبه يَصغي إليها لتخبرا

بناء إذا ما الليل حلَّ قناعَهُ … بدا الصبح من أعرافه الشمس مُسْفرا

ترى المنية البيضاء في كلّ شارقٍ … تَلَبَّسَ وجه الشمس ثوبًا معصفرا

ودونك فانظر هل ترى من تفاوت … به أو رأت عيناك أحسن منظرا

تذكّر بالفردوس من كان لاهيًا … وتُلهي بالفردوس من قد تذكرا

كأن السماء استوهبت لون أرضها … وأنجمها من نُورِها حين نوّرا

وكان ممدحًا، وفي قال فيه عماد بن المنبي (٢): [من الطويل]

غدا في أسارير الأمير محمد … إمام الهدى بدر وفي كفّه بحرُ

فلو ملك الله الرعية عُمْرَها … لكان له من ذلك العُمُرِ الشطر

إذا ذخر الاملاك مالًا فماله … سوى المجد فبالمعروف كنز ولا ذخر

مهيب إذا أبصرت غرة وجهه … تكاد له من هيبة يصدع الصدر

وكان كثير الخروج إلى الصحراء للتنزه في نواحيها، والتوسع في سعة ضواحيها، وكان معجبا بدربد وهو مكان قتلى اشبيلية. مرج اخضر كأنه زمرد شارب. ونهر يتكسر ماؤه كأنه عسل ممزوج لشارب.

فابتناى به ابنية رفيعة إلا أنها خيام. وقرّ هناك قراره إلا أنه هيام، فقال الوزير تمام بن أحمد: [من الطويل]

لعمري لما يوم من الدهر كله … بأنعم من يوم عللنا بدربد

لدن روضة خضرا ما إن تخالها … لعمرك إلا معدنًا للزمرد


(١) أحمد بن محمد بن عبد ربه الأديب الشاعر صاحب العقد الفريد من أهل قرطبة انظر: يتيمة الدهر ١/ ٣٦٠ البداية والنهاية ٨١/ ٢٩٣.
(٢) سبق وان ورد اسم عامر بن المنبي المؤدب في ص ٣١٤ من المخطوط ووجدت خبره في اخباره مجموعة، واسمه فيه عثمان بن المثنى وترجمة في المغرب ١/ ١١٢ وبغية الوعاة ص ٣٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>